أيوب الخياطي
لم تكن سوى 27 ملمترا، لكنها كانت كافية لتكشف المستور وتفضح زيف الشعارات، فالمطر الذي لطالما تغنوا به في الخطب والمناسبات، صار لعنة على الأحياء الغارقة، وشبحا يطارد السكان مع كل سحابة عابرة.
طنجة، المدينة التي وُعِدَتْ بمنظومة “الصمود الحضري”، وجدت نفسها مرة أخرى تحت رحمة المياه، تغرق في سيول من الإهمال، بينما صناديق الخضر تسبح في الشوارع، والطرق تختفي تحت موجات المطر، والساكنة تراقب المشهد في انتظار منقذ لن يأتي.
لكن الجماعة، وكعادتها، تخرج ببلاغات مُنمَّقَة، تَنْثُر فيها وعودا من ورق، وتتحدث عن تدخل فوري لم يره أحد سواها.. وتنسيق دائم لم يمنع تكرار الكارثة، ومشاريع لتعزيز البنية التحتية لم تمنح المدينة القدرة على الصمود أمام زخات مطر متواضعة !!
فهل يُعقل أن يكون هذا هو “الصمود” الذي بشرونا به؟
وهل يعقل أن تكون طنجة التي يتحدثون عنها في مكاتبهم المكيفة هي نفسها طنجة التي يكابد أهلها الوحل والمياه العادمة؟
المواطنون لم يروا شيئا مما ورد في البلاغ، لم يروا تدخّلا عاجلا، ولا مسؤولا واحدا يتفقد الأحياء الغارقة، ولا فرقا ترفع الأضرار.
لم يروا سوى مياه غزيرة تقتحم منازلهم، وتعطل حياتهم، وتذكّرهم بأن البنية التحتية التي وُعدوا بها ليست سوى سراب.
أما أمانديس، تلك التي جنت الملايين من جيوب المواطنين، فلا يبدو أنها معنية بالأمر.. وكأنها حسمت أمرها وقررت أن تنهي أيامها الأخيرة في المدينة بلا اكتراث.
فكيف لشركة مسؤولة عن تدبير الماء والصرف الصحي ألا يكون لها أثر في يوم أغرقت فيه المياه عددا من الأحياء؟ هل هو استهتار، أم تهيؤ للرحيل دون ترك بصمة تُذكر؟
لم يعد سكان طنجة بحاجة إلى بلاغات باردة، ولا خطب مكررة، ولا وعود تتبخر مع أول قطرة مطر.
لقد تعبوا من المزايدات الفارغة، من الخطاب الإنشائي الذي لا يسمن ولا يغني.. من التبريرات التي تحاول إخفاء العجز تحت ستار المصطلحات الرنانة “الصمود الحضري”.
الحقيقة واضحة كوضوح المياه التي غمرت الشوارع: طنجة لم تصمد، لأن من يدبرونها لم يصمدوا أمام مسؤولياتهم، ولن نقول في ما حدث إلا “الله رحمنا على قد قوادسنا” وهذا ماكان..


