تحولت الاختلالات المسجلة في قطاعي النظافة والإنارة العمومية بمدينة طنجة من مجرد شكاوى متكررة للساكنة إلى ملف يحظى بمتابعة مباشرة من مصالح ولاية جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، في ظل استمرار تراجع مستوى الخدمات بعدد من الأحياء، رغم الاعتمادات المالية الكبيرة التي تخصصها جماعة طنجة لتدبير هذين المرفقين الحيويين.
وكشفت مصادر مطلعة أن مصالح الولاية رصدت، خلال الأسابيع الأخيرة، مجموعة من الملاحظات المرتبطة بأداء المجلس الجماعي في تدبير عدد من الملفات، وعلى رأسها النظافة والإنارة العمومية، وهو ما دفع مسؤولًا بارزًا بالولاية إلى نقل هذه الملاحظات مباشرة إلى رئيس جماعة طنجة، منير الليموري، خلال لقاء عقد الأسبوع الماضي.
وبحسب المصادر ذاتها، فإن الأمر لم يقتصر على ملاحظات عابرة، بل استند إلى تقارير مفصلة رفعت إلى والي الجهة، يونس التازي، تضمنت مؤشرات على ضعف تتبع أداء الشركات المفوض لها تدبير هذه المرافق، وتأخر معالجة عدد من الاختلالات، إلى جانب غياب انعكاس واضح للاعتمادات المالية المرصودة على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
ويأتي ذلك في سياق تعرف فيه طنجة ضغطًا استثنائيًا، تزامنًا مع الزيارة الملكية وذروة الموسم الصيفي، حيث يرتفع عدد الوافدين على المدينة بشكل ملحوظ، الأمر الذي يفرض مستوى أعلى من الجاهزية في تدبير المرافق العمومية والحفاظ على صورة المدينة باعتبارها قطبًا اقتصاديًا وسياحيًا.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن الملاحظات المسجلة لم تتعلق فقط بانتشار النفايات في بعض الأحياء، بل شملت أيضًا طريقة توزيع تدخلات شركات النظافة، إذ تركزت أغلب العمليات في المحاور الرئيسية والمناطق ذات الكثافة السياحية، مقابل تراجع مستوى الخدمات داخل عدد من الأحياء السكنية، حيث استمرت شكاوى السكان من تأخر جمع النفايات، وتراكم الأزبال، وعدم تنظيف الحاويات بالوتيرة المطلوبة، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة.
ويعد قطاع النظافة من أكبر المرافق التي ترصد لها جماعة طنجة اعتمادات مالية، إذ تناهز كلفة تدبيره 46 مليار سنتيم، غير أن هذا الرقم ظل يثير تساؤلات لدى الرأي العام، في ظل الفارق المسجل بين حجم الإنفاق والنتائج المحققة ميدانيًا، وهو ما أعاد إلى الواجهة مطالب بتشديد المراقبة وتفعيل مقتضيات دفاتر التحملات في مواجهة أي إخلال بالالتزامات التعاقدية.
ولا يختلف الوضع كثيرًا في قطاع الإنارة العمومية، الذي كان بدوره ضمن الملفات التي استأثرت باهتمام مصالح الولاية، بعد تسجيل أعطاب متكررة في عدد من الشوارع والأحياء، واستمرار انقطاع الإنارة في بعض المواقع لفترات طويلة، ما أثار شكاوى متزايدة من السكان، بالنظر إلى ارتباط هذا المرفق بأمن المواطنين وسلامة مستعملي الطريق.
وفي خضم هذه التطورات، عقد رئيس جماعة طنجة، منير الليموري، يوم 10 يوليوز، اجتماعًا خصص لتقييم وضعية قطاع النظافة، أكد خلاله، وفق بلاغ للجماعة، ضرورة تحسين جودة الخدمات، وتعزيز آليات المراقبة والتتبع، وتقوية التنسيق بين مختلف المتدخلين، مع الحرص على احترام الشركة المفوض لها تدبير القطاع لالتزاماتها التعاقدية ودفتر التحملات.
وتفيد مصادر متطابقة بأن هذا الاجتماع جاء عقب التوجيهات التي أصدرها والي الجهة، بعدما سجلت السلطات تفاوتًا في مستوى خدمات النظافة خلال الفترة التي تزامنت مع الزيارة الملكية، حيث استفادت الشوارع الرئيسية والمناطق السياحية من تدخلات مكثفة، في حين ظلت أحياء أخرى تعاني من تراجع واضح في مستوى النظافة والإنارة، الأمر الذي استدعى الدعوة إلى اعتماد توزيع أكثر توازنًا للتدخلات الميدانية.
ويزيد من حدة النقاش أن مجلس جماعة طنجة كان قد صادق، خلال دورة فبراير 2026، على ملاحق تعديلية لعقدي التدبير المفوض لقطاع النظافة بالمنطقتين الشرقية والغربية، مبررًا ذلك بالرغبة في تحسين جودة الخدمات وضمان استمرارية المرفق، غير أن الأشهر اللاحقة لم تسجل، بحسب متابعين، تحسنًا ملموسًا يوازي حجم التعديلات التي أُدخلت على العقدين.
ويرى متابعون للشأن المحلي أن الرهان اليوم لم يعد يقتصر على عقد الاجتماعات أو إصدار البلاغات، بل أصبح مرتبطًا بمدى قدرة المجلس الجماعي على فرض احترام الالتزامات التعاقدية، وتفعيل آليات المراقبة والمحاسبة، وضمان استفادة جميع أحياء المدينة من الخدمات العمومية بالمستوى نفسه، بعيدًا عن التدخلات الظرفية التي تفرضها المناسبات أو الزيارات الرسمية.
وبين تقارير الولاية، وشكاوى الساكنة، والاجتماعات التي أطلقتها الجماعة، يبقى الامتحان الحقيقي هو مدى ترجمة هذه التحركات إلى إجراءات ميدانية تعيد الثقة في تدبير مرفقين يعدان من أكثر الخدمات التصاقًا بالحياة اليومية لسكان طنجة، وتعكس مكانة المدينة كواحدة من أبرز الحواضر الاقتصادية والسياحية بالمملكة.


