لم يأتِ غياب محمد الحمامي، رئيس مقاطعة بني مكادة بطنجة، عن الدورة العادية للمجلس في توقيت عادي. فبحسب مصادر محلية، تزامن الغياب مع اجتماع حزبي، في وقت دخلت فيه الاستعدادات للانتخابات التشريعية المقبلة مرحلة أكثر حساسية.
الواقعة، في حد ذاتها، قد تكون مرتبطة بالتزام حزبي. لكن وضعها في سياقها السياسي يجعلها أكثر دلالة: رئيس مقاطعة منشغل باجتماع حزبي في الوقت الذي تستعد فيه الأحزاب لمعركة برلمانية، وحزب الاستقلال يضع ثقله خلف اسمه في دائرة طنجة–أصيلة.
ومن هنا لا يعود السؤال متعلقاً بمجرد حضور أو غياب، وإنما بالرهان السياسي الذي وضع الحزب نفسه فيه.
الاستقلال اختار الاسم.. لكنه اختار معه كل ما يحمله
تزكية محمد الحمامي لا تعني اختيار مرشح انتخابي فقط، بل تعني، سياسياً، أن حزب الاستقلال قرر تحمل تبعات هذا الاختيار بما يحمله الرجل من تجربة محلية، ومن ملفات ونقاشات وخلافات ظلت حاضرة في المشهد السياسي ببني مكادة.
فالحمامي ليس اسماً جديداً على الناخب المحلي، كما أن مساره على رأس المقاطعة لم يمر دون نقاش.
خلال السنوات الماضية، ارتبط اسمه بنقاشات سياسية وتدبيرية محلية، وسط خلافات داخل مجلس مقاطعة بني مكادة، وتوترات حول تدبير الأغلبية والانسجام داخل المؤسسة المنتخبة.
وهذه الملفات لا تعني إدانة الرجل، لكنها تجعل التزكية الحالية أكثر حساسية، لأن الحزب لا يختار مرشحاً بعيداً عن كل الجدل، وإنما يختار شخصية راكمت حضوراً سياسياً محلياً، ومعه أسئلة وانتقادات وخصومات سياسية.
ملفات الإدارة والعقار.. منطقة حساسة انتخابياً
من أكثر الملفات التي حضرت في النقاش المحلي تلك المرتبطة بالبناء والمساطر الإدارية وشواهد السكن وشهادات الماء والكهرباء.
وبحسب منتقدين، فإن تشدد المساطر وتراجع البناء العشوائي خلال السنوات الأخيرة غيّرا جزءاً من البيئة التي كانت تتحرك فيها شبكات العلاقات والمصالح داخل بني مكادة.
ولا يتعلق الأمر هنا بالقول إن هذه الملفات كانت مرتبطة مباشرة بالحمامي أو أنه استفاد منها، لأن ذلك يحتاج إلى إثبات رسمي، وإنما بتسجيل تحول في البيئة المحلية التي كانت تشكل، وفق قراءات متداولة، جزءاً من شروط بناء النفوذ الانتخابي.
وهذا التحول يطرح سؤالاً سياسياً مباشراً: هل ما زالت الأدوات التي صنعت نفوذ 2021 صالحة للعمل في 2026؟
«لا مال ولا بنون».. ماذا بقي من الشبكة القديمة؟
في النقاش المحلي، ظهر توصيف قاسٍ لوضع الحمامي الانتخابي الحالي: «لا مال ولا بنون».
والمقصود بـ«البنون» هنا ليس الأبناء بالمعنى الحرفي، وإنما الأنصار والفاعلون الذين كانوا يشكلون جزءاً من محيطه الانتخابي.
وبحسب روايات متداولة، فإن تغير الموارد المالية وتبدل طبيعة المصالح المرتبطة ببعض الملفات العقارية والإدارية أثرا على جزء من شبكة العلاقات التي كانت تحيط به، بينما تتردد قراءات تتحدث عن حاجة أكبر إلى دعم بعض الفاعلين وأصحاب المصالح المشتركة لخوض الاستحقاق المقبل.
وتبقى هذه المعطيات في إطار التداولات والقراءات المحلية، ما لم تدعمها وثائق أو معطيات رسمية.
لكن سياسياً، يبقى السؤال قائماً: هل يمتلك الحمامي اليوم الشبكة نفسها التي جعلته رقماً انتخابياً في 2021؟
الخلافات داخل بني مكادة.. الوجه الآخر للترشح
المعضلة لا تتوقف عند الحسابات الانتخابية.
فالحمامي يدخل السباق البرلماني وهو يحمل أيضاً حصيلة رئاسته لمقاطعة بني مكادة، بما رافقها من خلافات سياسية وتوترات داخل المجلس ونقاش حول تدبير الأغلبية والانسجام.
وهذه الحصيلة ستجد نفسها، شئنا أم أبينا، أمام الناخب.
فالمنافسون لن يناقشوا فقط البرنامج الانتخابي لحزب الاستقلال، بل سيضعون تجربة الحمامي المحلية تحت المجهر، وسيكون عليهم استثمار كل نقطة خلاف أو قرار أو ملف يمكن أن يتحول إلى مادة انتخابية.
وهنا تصبح رئاسة المقاطعة سلاحاً ذا حدين: تمنح المرشح حضوراً، لكنها في الوقت نفسه تجعله مسؤولاً سياسياً عن حصيلة لا يمكن فصلها عن اسمه.
ظل اسم الحمامي أيضاً حاضراً في تداولات محلية مرتبطة بادعاءات بشأن ديون والتزامات مالية وملفات أخرى.
لكن المهنية الصحفية تقتضي التمييز بين التداول وبين الحقيقة القضائية؛ لذلك لا يمكن تقديم هذه المعطيات باعتبارها خروقات ثابتة أو وقائع محسومة في غياب أحكام نهائية أو وثائق رسمية تثبتها.
غير أن وجود نقاشات متكررة حول هذه الملفات يجعلها جزءاً من البيئة السياسية التي يتحرك فيها المرشح، ويضعه أمام الحاجة إلى توضيح ما يمكن توضيحه، خصوصاً وهو يستعد لطلب أصوات الناخبين على مستوى دائرة طنجة–أصيلة.
«لوك جديد»..
الحمامي يظهر اليوم بصورة مختلفة و«لوك جديد»، في محاولة واضحة لتقديم صورة تتلاءم مع مرحلة انتخابية جديدة.
لكن تغيير المظهر لا يلغي الملفات السياسية.
فالانتخابات لا تختبر الصورة وحدها، وإنما تختبر الحصيلة، والقدرة على الدفاع عنها، والقدرة على إقناع الناخب بأن المرشح الذي يطلب صوته اليوم يستحقه بناءً على ما قدمه، لا فقط على ما كان عليه قبل خمس سنوات.
ومن هذه الزاوية، فإن «اللوك الجديد» قد يكون جزءاً من إعادة تقديم الصورة، لكنه لا يقدم جواباً عن السؤال الأصعب: ماذا بقي من رصيد 2021؟
رهان الاستقلال الأكثر حساسية
قد يكون حزب الاستقلال قد نظر إلى الحمامي باعتباره اسماً قادراً على المنافسة، لكن اختيار الأسماء في الانتخابات لا ينتهي عند لحظة التزكية.
الحزب سيكون مطالباً بتحمل المسؤولية السياسية عن رهانه.
فإذا نجح الحمامي، فسيُقرأ النجاح باعتباره تأكيداً لاستمرار حضوره الانتخابي، وربما دليلاً على أن الحزب أحسن قراءة موازين القوى في طنجة–أصيلة.
أما إذا لم ينجح، فستعود الأسئلة إلى نقطة البداية: هل أخطأت قيادة الاستقلال في تقدير حجم التحولات التي عرفتها بني مكادة؟ وهل راهنت على رصيد انتخابي سابق أكثر مما راهنت على واقع انتخابي جديد؟
وهنا تحديداً تكمن حساسية الرهان.
فالاستقلال لا يختبر مرشحاً فقط، بل يختبر قدرته على قراءة الخريطة الانتخابية الحالية.
بين المقاطعة والحزب والبرلمان
المشهد الحالي يضع الحمامي أمام ثلاث جبهات في وقت واحد: تدبير مقاطعة بني مكادة، إدارة صورته السياسية في مواجهة الملفات والانتقادات، ثم خوض سباق برلماني باسم حزب الاستقلال.
والاجتماع الحزبي الذي تزامن مع غيابه عن دورة المقاطعة يضيف عنصراً جديداً إلى هذا المشهد، لأنه يعكس حجم الحضور الذي أصبحت تكتسيه المعركة الانتخابية في هذه المرحلة.
وفي النهاية، لا تكفي التزكية لإنتاج مقعد، ولا يكفي رصيد 2021 لضمان أصوات 2026.
حزب الاستقلال وضع اسمه ووزنه خلف الحمامي، والحمامي مطالب الآن بإثبات أن الرهان لم يُبنَ على ذاكرة انتخابية قديمة، بل على قوة ما زالت قائمة في بني مكادة.



