لم تمضِ سوى أربعة أيام على نشر معطيات صحفية أثارت تساؤلات بشأن صفقات وتدبير عدد من الملفات داخل المركز الجهوي للاستثمار بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، حتى برز ملف جديد يعيد المؤسسة إلى واجهة المساءلة، وهذه المرة من بوابة سند طلب تبلغ قيمته نحو 18 مليون سنتيم، أُعلن عن نتائجه بعد قرابة شهرين من انتهاء التظاهرة التي خُصصت لها الخدمات، في واقعة تطرح أسئلة دقيقة بشأن توقيت إسناد الطلب والمسار الإداري والمالي الذي سبق تنفيذه.
الملف الجديد لا يقوم على مجرد اتهامات أو روايات متداولة، بل على تواريخ ومعطيات منشورة ببوابة الصفقات العمومية، تكشف عن فجوة زمنية بين موعد إنجاز نشاط تواصلي موجه لمغاربة العالم وتاريخ إشهار نتيجة المنافسة المتعلقة به. وهي فجوة لا تكفي وحدها لإثبات مخالفة، لكنها تضع إدارة المركز أمام اختبار واضح: تقديم الوثائق التي تثبت متى جرى اختيار الشركة، ومتى صدر سند الطلب، وعلى أي أساس انطلقت الخدمات.
وتعود تفاصيل القضية إلى سند الطلب رقم 12-2026، الذي خصصه المركز لإرساء منظومة تواصلية بمناسبة أسبوع الاستثمار لفائدة المغاربة المقيمين بالخارج، وهي التظاهرة التي احتضنتها طنجة ما بين 10 و13 غشت 2026، في إطار جهود الترويج للمؤهلات الاقتصادية للجهة واستقطاب استثمارات الجالية المغربية.
وبالرجوع إلى البيانات المنشورة، يتبين أن آخر أجل لتقديم العروض حُدد في 31 يوليوز 2026، أي قبل انطلاق النشاط بعشرة أيام، بينما لم تظهر نتيجة سند الطلب إلا بتاريخ 9 أكتوبر 2026، بعد مرور 57 يوماً على اختتام التظاهرة.
وهنا تبرز المفارقة التي تستوجب التدقيق: المنافسة كانت مرتبطة بنشاط معلوم التاريخ، والعروض كان يفترض أن تُقدم قبل انطلاقه، لكن إعلان الشركة المستفيدة لم يظهر للعموم إلا بعدما أصبح النشاط جزءاً من الماضي.
وتشير المعطيات المنشورة إلى مشاركة ستة متنافسين، قبل إسناد الطلب إلى شركة PRIMUS SERVICE & Events، التي يوجد مقرها بالعاصمة الرباط، بمبلغ إجمالي بلغ 179 ألفاً و460 درهماً، شاملاً للرسوم.
غير أن الأرقام، على أهميتها، لا تمثل سوى الجانب الظاهر من الملف. فالسؤال الذي تفرضه هذه المعطيات لا يتعلق بهوية الشركة أو بمقرها الجغرافي، وإنما بما جرى بين إغلاق باب المنافسة في 31 يوليوز وانطلاق التظاهرة يوم 10 غشت، ثم نشر النتيجة في 9 أكتوبر.
فهل جرى فحص العروض الستة واختيار الشركة وإصدار سند الطلب خلال الأيام العشرة الفاصلة بين إغلاق المنافسة وانطلاق النشاط؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي يفسر عدم نشر النتيجة إلا بعد أكثر من شهرين من الموعد المحدد لتلقي العروض؟
أما إذا كانت بعض الإجراءات قد استُكملت بعد انطلاق الخدمات، فإن الأمر يقتضي تحديد طبيعتها وتواريخها ومدى مطابقتها للقواعد المعمول بها، وهو ما لا يمكن حسمه من خلال صفحة النتائج وحدها.
والواقع أن جوهر القضية يكمن في هذا التسلسل الإداري، لأن سلامة الطلب العمومي لا تقاس فقط باختيار العرض الفائز، وإنما كذلك باحترام الإجراءات التي تسبق الالتزام بالنفقة وتنفيذ الخدمة، وتوثيق كل مرحلة بما يسمح بمراقبتها وتتبعها.
وتفرض هذه المعطيات فتح الملف من زاوية أخرى لا تقل أهمية، ترتبط بطبيعة الخدمات التي استوجبت تخصيص ما يقارب 18 مليون سنتيم. فما المكونات الفعلية للمنظومة التواصلية التي تعاقد المركز بشأنها؟ وما الأعمال التي التزمت الشركة بإنجازها؟ وما المخرجات التي تسلمها المركز مقابل هذا المبلغ؟
هذه التفاصيل تكتسي أهمية خاصة في ضوء ما سبق أن أثارته تغطيات صحفية حول كلفة أنشطة التواصل والترويج للاستثمار داخل المؤسسة، ومدى انعكاس هذه النفقات على مستوى استقطاب المستثمرين ومواكبة مشاريعهم.
ففي 13 أكتوبر الجاري، تناول تقرير صحفي ملفات متعلقة بصفقات التواصل وتنظيم التظاهرات، إلى جانب شكايات وتعثرات مرتبطة بمشاريع استثمارية، واضعاً طريقة تدبير المركز أمام جملة من التساؤلات. وبعد أربعة أيام فقط، يأتي هذا السند ليضيف زاوية جديدة للنقاش، تتعلق هذه المرة بالتواريخ والإجراءات التي تؤطر التعاقد العمومي.
ولا تعني إثارة هذه الملفات في فترات متقاربة وجود ارتباط قانوني أو إداري بينها، لكنها تجعل من الضروري تقديم إجابات واضحة عن كل عملية على حدة، بدل ترك التساؤلات تتراكم دون معطيات كافية لحسمها.
واللافت أن النشاط موضوع سند الطلب لم يكن بعيداً عن الجدل بدوره، إذ سبق أن أثارت تغطية صحفية نُشرت خلال شهر غشت تساؤلات بشأن مستوى التعبئة والحضور في إحدى محطات أسبوع الاستثمار الموجه لمغاربة العالم، مقارنة بالأهداف المعلنة للتظاهرة.
وإذا كانت محدودية الحضور في لقاء معين لا تسمح، بمفردها، بتقييم نجاح برنامج تواصلي متكامل، فإنها تبرز أهمية معرفة الأهداف المحددة في سند الطلب والمؤشرات المعتمدة لتقييم الخدمات المنجزة، ومدى تحقيق النتائج المتوقعة من الإنفاق المرصود لها.
وتزداد حساسية هذا الملف بالنظر إلى الدور الذي يضطلع به المركز الجهوي للاستثمار في مواكبة المشاريع وتحسين مناخ الأعمال وتبسيط المساطر أمام المستثمرين، وهي مهام تضع المؤسسة في موقع يفترض معه أن تكون ممارساتها الإدارية والمالية منسجمة مع مبادئ الوضوح والنجاعة التي تعمل على ترسيخها لدى الفاعلين الاقتصاديين.
ومن هذه الزاوية، فإن توضيح ظروف سند الطلب رقم 12-2026 لا يحتاج إلى سجال إعلامي بقدر ما يحتاج إلى أجوبة موثقة: تاريخ فحص العروض، وتاريخ قرار الإسناد، وتاريخ إصدار سند الطلب، والوثائق التي تحدد طبيعة الخدمات وتثبت إنجازها وتسلمها.
كما يستوجب الأمر بيان السبب الإداري الذي أدى إلى ظهور نتيجة المنافسة يوم 9 أكتوبر، رغم أن التظاهرة المرتبطة بها كانت قد انتهت يوم 13 غشت، وتوضيح مدى احترام الآجال والإجراءات المقررة لنشر نتائج سندات الطلب.
ويبقى السؤال الذي يضع هذا الملف أمام إدارة المركز الجهوي للاستثمار بطنجة واضحاً: هل كانت الشركة المستفيدة تتوفر على سند طلب مستكمل الإجراءات قبل انطلاق أسبوع الاستثمار، أم أن التسلسل الزمني للملف يكشف عن وضعية تستوجب تدقيقاً إدارياً وقانونياً؟
الإجابة لا توجد في البلاغات الترويجية عن نجاح الأنشطة، ولا في الإعلان عن القيمة المالية للطلب، وإنما في الوثائق التي تحدد بدقة متى جرى الالتزام بالنفقة، ومتى بدأت الخدمات، وكيف تم التحقق من إنجازها.
وبعد أيام قليلة من إثارة ملفات أخرى بشأن تدبير المؤسسة، يجد المركز الجهوي للاستثمار نفسه أمام فرصة لتقديم توضيحات مدعمة بالوثائق، تضع حداً للتأويلات وتتيح التحقق من مدى احترام الإجراءات.
فحين يتعلق الأمر بالمال العام، لا ينتهي واجب الشفافية بالإعلان عن اسم الشركة الفائزة، بل يبدأ من القدرة على إثبات أن كل مرحلة من مراحل التعاقد والإنجاز مرت وفق القواعد التي يفرضها القانون.



