“الله يهدي علينا السلطات”.. بهذه الكلمات لخص الشاب بطل حادثة انفجار قنينة الغاز بحومة الحداد واقع حال عنوانه الأبرز “فاري على راسك، حتى نساليو”.. لقد قال ذلك الشاب المغوار كل شيء عن التهميش و”برودة” رد الفعل، عن المواجهة الحتمية مع الواقع الأليم دون انتظار باقي المتدخلين… عن السلطة التي لم تعد كما كانت من قبل، واختارت نهجها الخاص في التعاطي مع مشاكل المدينة…
إذ يبدو جليا أن الوالي يونس التازي قرر القطع مع أسلوب سابقيه، خصوصا حصاد واليعقوبي وامهيدية، في تدبير شؤون عروس الشمال.
وبينما تعاني طنجة تحديات على أصعدة متعدد تستدعي تدخلاً حاسما من السلطات المحلية، إلا أن والي المدينة، يونس التازي، اختار موقف “الحياد السلبي” مقارنة مع سابقيه.
فقد كان لحصاد دور كبير في تعزيز البنية التحتية للمدينة، وكان اليعقوبي نشطاً في تحسين الأوضاع الأمنية والاجتماعية واستكمال تطوير تلك البنية، وركز امهيدية على دعم القطاع السياحي.. كما أظهر هؤلاء الولاة اهتماماً بالتفاصيل وعملاً ميدانياً مميزاً يعتني بالتفاصيل، وإيجاد حلول لها.
وهذه الديناميكية والفعالية في التعامل مع القضايا الملحة، هي التي أصبحت مطلوبة بشدة اليوم لعلاج الكثير من الأدواء التي تعانيها المدينة، ولا مجال للحديث عن “الاختصاص” هنا مادام الوالي ممثلا للملك ومسؤولا عن كل صغير وكبيرة في المدينة.
تتخبط مدينة طنجة في العديد من المشاكل، الاجتماعية والاقتصادية والتسييرية أيضا، ويبرز ملف تناسل مقاهي الشيشة الذي ما فتئ موقع “طنجاوة” ينبه إلى خطورته أحد أهم التحديات أمام مؤسسة الوالي..
كيف لا؛ وقد اجتمعت أصوات الجمعويين والسياسيين والتربويين والأمنيين والقضاة على خطورة هاته الظاهرة، التي تهدد مستقبل جيل بأكمله بعد تناسل مقاهي تقدم هاته المادة ومعها كل الموبقات كالفطر في أحياء وشوارع المدينة، متربصة بالقاصرين وفئة التلاميذ والتلميذات خصوصا، ناهيك عن معاناة المواطنين مع مشاكلها المتعددة، من صخب وفوضى وروائح تحول حياتهم بتلك الأحياء إلى جحيم.. أما إتاوات بعض رجال السلطة من أجل غض الطرف عن هاته الأماكن المشبوهة فحدث ولا حرج.
كما يبرز ملف اتحاد طنجة من بين أهم الملفات التي استفز “حياد” السلطة فيها الطنجاويين، بعد تحرك الفصيل المساند للنادي من أجل دق ناقوس الخطر أمام مقر الولاية، مستنكرا تجاهل مشاكل الفريق، وهي المشاكل التي تؤثر على أدائه ومكانته.
فالمشاكل المالية، وسوء التسيير، وعدم وجود دعم كافٍ من السلطات المحلية، كلها عوامل تعيق تقدم النادي، وبينما كان من المتوقع أن يتدخل الوالي لدعم النادي وتوفير بيئة مواتية لتحسين أدائه، كان للتازي رأي آخر، معتبرا الموضوع خارج “اختصاصاته الإدارية” شاهرا منطق “فاريها على ريوسكم.. هاذشي ماشي شغال الوالي”.
وليس مأزق اتحاد طنجة الوحيد الذي ينتظر تدخل التازي، فمازال العديد من الملفات تنتظر تدخلا فعالا، ولعل جشع لوبي العقار و”شهيته الزائدة” تجاه الملك الغابوي والمدارس وأراضي الجموع والسلالية يقتضي أيضا موقفا حازما من السلطات.. إضافة إلى “الموقف الغريب” تجاه تصميم التهيئة الذي لا يزال ينتظر في الرفوف ممهورا بكل التوقيعات، فيما تئن المدينة تحت وطأة تناسل البناء العشوائي الذي أصبح يبرز مثل التجاعيد فوق وجه مدينة “قاتل” الولاة السابقون من أجل تجميله وجعله واجهة للسياحة والاقتصاد بالمغرب، ولعل المشاكل التي تغرق فيها كزناية أبرز دليل على ذلك، أضف إلى ذلك “حالة “الستاتيكو”، إن لم نقٌل التناقص، التي أضحت تعيشها وضعية المناطق الخضراء بالمدينة، بعد أن كان الاهتمام بها وخلقها “فلسفة” لدى سلطات المدينة.
أما مشكل السير والجولان الذي باتت تعانيه المدينة، رغم المجهودات الأمنية لفكه، فقد تحول الاختناق فيه إلى قاعدة في بعض المناطق.. ناهيك عن غياب التدخل لحلحلة الأوضاع في قطاع الصحة رغم اندلاع الاحتجاجات بين رواد مركز طب الإدمان، وانتشار السل بالمدينة.
دون إغفال الإصرار على عدم تنفيذ الأحكام القضائية النهائية، الحائزة اقوى الشيء المقضي به.
هذا إضافة إلى ضرورة الحضور اليومي والمواكبة الضرورية لقضايا ومشاكل المدينة، وهو الحضور الذي أظهرت واقعتان أنه يلزمه الكثير من الاشتغال، وهما واقعتا عمارة الرهراه التي تطلبت زيارتها عدة ساعات بعد الانهيار، وكذا الغياب التام عن مواكبة وتفقد موقع حريق حومة الحداد الذي خلف العديد من الضحايا، وأبطالا حقيقيين من أولاد الشعب رفعوا أكفهم إلى السماء، بعد أن “أعطوا ظهورهم للعافية”: “الله يهدي علينا السلطة”!!
تتطلب هذه التحديات من الوالي التازي، ربما، إعادة النظر في أسلوبه الإداري واتخاذ خطوات حاسمة تعيد الثقة إلى طنجاوة وتعزز قدرات المدينة على مواجهة مشاكلها، فالتحديات المجتمعية والرياضية والاقتصادية لا يمكن معالجتها بـ”الحياد السلبي”، بل تحتاج إلى تدخلات جريئة وحلول مبتكرة ومستدامة.. في مدينة أصبح واضحا أنها اعتادت القيادة الفعالة والنشطة القادرة على مواجهة التحديات المتزايدة.



