رغم احتضانه لعدد من المركّبات والسدود المائية الضخمة، يعيش إقليم وزان في السنوات الأخيرة أزمة عطش خانقة، ترزح تحت وطأتها الساكنة القروية خصوصا، في مفارقة صارخة تكشف حجم الفجوة بين وفرة الموارد الطبيعية وسوء تدبيرها.
وسط هذه الأزمة الصامتة، يبرز اسم العربي المحرشي، النائب البرلماني عن دائرة وزان، وعضو مجلس جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، الذي تربع طويلً على رأس المشهد السياسي بالإقليم، دون أن يورثه إلا مزيدا من التهميش والعزلة.
المحرشي، الذي ولج عالم السياسة من بوابة “النفوذ الاجتماعي” لا من باب الكفاءة أو الحنكة، استطاع أن يفرض نفسه كـ”عين من أعيان المنطقة”، في وقت تراجع فيه منسوب الثقة في النخب السياسية التقليدية.
ولعل صعوده السلس داخل هياكل حزب الأصالة والمعاصرة، قبل أن يُقصى مؤخرا من مكتبه السياسي بعد مجيء الرئاسة الثلاثية لحزبه، يعكس توازنات داخلية لطالما طُبِعت بالمحاباة أكثر من الاستحقاق.
وفي محطة انتخابية أثارت الكثير من الجدل في الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة، نجح المحرشي في إيصال ابنته إلى قبة البرلمان، مستفيدا مما يُعرف بـ”ريع اللوائح”، في تجلٍّ واضح لاستمرار منطق التوريث السياسي، الذي يُقصي الكفاءات ويُعزز ثقافة الامتياز.
لكن المثير في سيرة المحرشي، ليس فقط إخفاقه في إخراج الإقليم من عطشه، بل أيضا نزوعه المتزايد نحو مهاجمة الصحافة وشيطنة الأقلام الناقدة.
ففي تدخله خلال دورة يوليوز لمجلس جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، والتي انعقدت بحضور والي الجهة يونس التازي، اليوم الاثنين، لم يتردد المحرشي في وصف عدد من الصحفيين بـ”المرتزقة”، مطالبا وزارة الداخلية بـ”الضرب بيد من حديد” على من لا يصفقون لإنجازات الجهة، بحسب تعبيره.
كلام المحرشي يعكس فكرا إقصائيا لا يعترف بدور الصحافة في المساءلة والمراقبة، ويُظهر رغبة دفينة في تحويل الإعلام إلى أداة ترويجية تطبل للإنجازات وتغض الطرف عن الإخفاقات والاختلالات، وهي نظرة تعكس أزمة عميقة في تصور العمل السياسي، الذي بات بالنسبة للبعض مرادفا للبهرجة وشراء الولاءات، بدلا من كونه التزاما تنمويا وأخلاقيا تجاه الساكنة.
لقد كان الأجدر بالمحرشي أن يقدّم كشف حساب عن سنوات توليه لرئاسة المجلس الإقليمي لوزان، أو أن يشرح أسباب تعثر المشاريع، بدلا من توجيه السهام نحو الصحفيين الذين لا يقومون سوى بدورهم المهني في نقل الواقع كما هو.
وفي وقت تتعالى فيه أصوات ساكنة وزان مطالبة بحقها في الماء، يبدو أن بعض السياسيين لا يزالون يفضلون خوض المعارك الخطابية ضد الإعلام، بدلا من معالجة جذور الأزمة التي تُنذر بتصاعد الغضب الشعبي الصامت.



