يعيش المغرب منذ أيام على إيقاع احتجاجات غير مسبوقة تقودها فئة شبابية تُعرف عالميا بـ”جيل زد”؛ هؤلاء وُلدوا في زمن الثورة الرقمية، وتشكل وعيهم داخل الفضاء الافتراضي، حيث تعلموا التعبير والاحتجاج عبر الشاشات قبل أن ينقلوا أصواتهم إلى الشوارع.
في ظاهر شعاراتهم، تبدو المطالب بسيطة؛ تعليم أفضل، منظومة صحية تحفظ الكرامة، وعدالة اجتماعية؛ لكن في العمق، هي صرخة وجودية لجيل يشعر بالتهميش وانعدام الأفق، ولا يجد نفسه في سياسات الدولة ولا في وعود الحكومات المتعاقبة.
هذه التطورات لم تكن مفاجئة للمتابعين؛ قبل سنة فقط، أصدر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في عهد رئيسه السابق أحمد رضا الشامي تقريرا حذر فيه من فئة سماها “NEET”، أي شباب خارج منظومة التعليم والعمل والتكوين.
التقرير كشف أن مليونا ونصف المليون شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة يعيشون خارج أي مسار إنتاجي، واصفا إياهم بـ”قنابل اجتماعية مؤجلة”؛ دراسة لاحقة قدّرت كلفة إقصائهم بأكثر من 60 مليار درهم سنويا.
لكن، ورغم خطورة الأرقام، لم تُحوّل حكومة عزيز أخنوش التقرير إلى خطة عمل عاجلة، بل ظل حبيس الندوات والرفوف، كما حدث مع تقارير سابقة.
مؤسسات الحكامة تُعامل غالبا كديكور سياسي أكثر من كونها رافعة للإصلاح، والنتيجة أن الشباب الذين تحدث عنهم التقرير هم أنفسهم من يملأون الساحات اليوم؛ صحيح أن التسميات تغيّرت، من “NEET” في التقارير إلى “جيل زيد” في الاحتجاجات، لكن الجوهر واحد: شباب تُركوا بلا تعليم ولا عمل ولا أفق.
المشكلة ليست في غياب التشخيص، بل في غياب الإرادة السياسية؛ الحكومات المتعاقبة، بما فيها الحالية، لم تنجح في تنزيل سياسات فعالة تستوعب الطاقات الشبابية.
برامج التشغيل الذاتي مثل “فرصة” و”أوراش” لم تخلق دينامية حقيقية، مبادرات التكوين لم تتحول إلى فرص فعلية، وإصلاح التعليم ظل حبيس العناوين البراقة والزيارات الرسمية الاستعراضية. الفجوة بين الخطاب والواقع اتسعت، وبينما ترد الدولة بلغة البلاغات والتقارير، يرد الشباب بلغة الشارع.
ويبدو أن تجاهل توصيات المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لا يعكس إلا “ثقافة مترسخة داخل الدولة”، حيث تُستعمل مؤسسات الحكامة لتلميع صورة الإصلاح أكثر من كونها آلية فعلية للتغيير.
والكلفة لا تُقاس فقط بالمال، بل بما هو أعمق؛ تآكل الثقة بين الشباب والدولة، وتراجع مصداقية الخطاب الرسمي أمام لغة الشارع.
ما يحدث اليوم يكشف مفارقة صارخة، الدولة تمتلك مؤسسات حكامة دستورية تُنفق عليها ميزانيات مهمة لإنتاج تقارير استراتيجية، لكن حين تصدر التوصيات تُترك على الرفوف. الشباب يرون ذلك، فيزداد شعورهم بأن المؤسسات لا تعمل من أجلهم، بل من أجل الصورة الخارجية للدولة.
أما الحكومة، فكما الحكومات السابقة، تكرر خطاب “الإنصات والحوار”، لكنها تبدو بعيدة عن إدراك عمق الأزمة. فجيل الاحتجاج اليوم ليس موجة عابرة، بل نتاج سنوات طويلة من التهميش والإقصاء. جيل حُشر في خانة “NEET”، ثم تُرك يواجه مصيره وحيدا.
ويبقى السؤال الحاسم؛ هل تستوعب الحكومة أن غضب “جيل زد” هو انعكاس مباشر لمعاناة شباب “NEET” الذين جرى تجاهلهم طويلا؛ أم أنها ستواصل سياسة الهروب إلى الأمام حتى تنفجر تلك “القنابل الاجتماعية” التي حذر منها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.



