في الوقت الذي تعيش فيه المملكة على إيقاع حراك شبابي غير مسبوق تقوده فئة جيل Z للمطالبة بإصلاح التعليم وخاصة محاربة الفساد، انفجرت داخل أروقة المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بطنجة (ENCG Tanger) فضيحة بيداغوجية تهدد مصداقية واحدة من أبرز مؤسسات التكوين الجامعي في المغرب، بعد الكشف عن تجاوزات خطيرة شابت عملية تخرج فوج 2024-2025.
القضية، التي توصل موقع طنجاوة بوثائق ومراسلات رسمية حولها، كشفت عن ممارسات تمس جوهر العدالة الجامعية وتضرب في العمق قيم النزاهة الأكاديمية التي يُفترض أن تقوم عليها مؤسسات التعليم العالي.
أساتذة يدقّون ناقوس الخطر
مجموعة من أساتذة المدرسة وجهوا رسالة شديدة اللهجة إلى وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، يطالبون فيها بفتح تحقيق عاجل في ما وصفوه بـ“خروقات بيداغوجية مقصودة” تم تمريرها خلال عملية التتويج بدبلومات التخرج.
الأساتذة أكدوا أن عددا من الطلبة حصلوا على دبلوم المدرسة رغم عدم استيفائهم للوحدات الأساسية، بل إن بعضهم نال نقاطا أقل من (6/20) في عناصر تقييمية رئيسة، وهو ما يمنع قانونا نجاحهم وفق دفتر الضوابط البيداغوجية لسلك مدارس التجارة والتسيير.
الخطير في الأمر، حسب الرسالة، أن إدارة المؤسسة لجأت إلى حيلة قانونية عبر تطبيق دفتر الضوابط الجديد الصادر سنة 2025 بأثر رجعي على طلبة قدامى، في خرق صريح لمقتضيات المادة الثانية من القرار الوزاري ذاته، التي تنص بوضوح على أن الطلبة المسجلين قبل الموسم الجامعي 2024-2025 يظلون خاضعين للنظام القديم.
دبلوم مزدوج.. و”تمييز طبقي” صارخ
لم تتوقف الخروقات عند هذا الحد، إذ كشف الأساتذة عن منح دبلومات مزدوجة (Co-diplomation) لطلبة التحقوا بمدارس خاصة بفرنسا “متواضعة المستوى الأكاديمي”، دون أن يستوفوا الساعات المعتمدة أو يخضعوا للتقييم من أساتذة المؤسسة الأم بطنجة.
ويصف الأساتذة هذا المسار بأنه “طريق سهل للأغنياء”، إذ يتيح لطلبة قادرين على دفع تكاليف باهظة الحصول على شهادة المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير دون عناء أو التزام بمتطلبات التكوين، في حين يُحرم زملاؤهم الأقل حظًا من ذات الفرص، مما ينسف مبدأ تكافؤ الفرص الذي يقوم عليه التعليم العمومي.
مراسلات رسمية وشكايات خريجين
الملف لم يبقَ في حدود النقاش الداخلي؛ فبحسب معطيات توصل بها طنجاوة، وُجّهت مراسلات إلى كل من رئاسة جامعة عبد المالك السعدي ووزارة التعليم العالي، تُطالب بفتح تحقيق إداري وأكاديمي شامل لتحديد المسؤوليات.
بالموازاة مع ذلك، تقدّم عدد من الطلبة والخريجين بشكاية رسمية عبر البوابة الوطنية للشكايات بتاريخ 15 شتنبر 2025 (رقم 2472316)، عبّروا فيها عن استيائهم مما وصفوه بـ“إهانة لمجهودات الطلبة الجادين وضرب لمبدأ العدالة الجامعية”، مؤكدين أن الإدارة تغضّ الطرف عن حالات رسوب واضحة مقابل تمرير أسماء محددة في لوائح الناجحين.
من الشارع إلى الجامعة.. “كفى من التلاعب بالمستقبل”
ما جرى داخل ENCG طنجة لا يمكن فصله عن التحولات الاجتماعية والسياسية الأخيرة التي يعيشها المغرب، حيث خرج الآلاف من شباب جيل Z إلى الشوارع مطالبين بالكرامة، والتعليم، والمحاسبة.
واليوم، يبدو أن أصداء هذا الغضب وصلت إلى الحرم الجامعي، بعدما حمل الأساتذة أنفسهم شعارا مشابها، “كفى من التلاعب بمصير الطلبة وبمصداقية الشهادات الوطنية.”
الجامعة والوزارة أمام اختبار الثقة
في ظل هذه المعطيات، يوجد الملف حاليًا على طاولة جامعة عبد المالك السعدي، في انتظار تفاعل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار مع المطالب المتزايدة بفتح تحقيق رسمي وشفاف.
لكنّ التساؤلات الأهم تبقى مطروحة بإلحاح؛ كيف مُرّرت هذه التجاوزات داخل مؤسسة يُفترض أنها من النخبة؛ ومن يتحمّل المسؤولية عن ضرب مصداقية شهادة وطنية في الصميم؛ وهل ستملك الوزارة الشجاعة لمحاسبة المتورطين مهما كانت مواقعهم؟
“الفساد البيداغوجي”.. الوجه الآخر لأزمة التعليم
قضية ENCG طنجة ليست مجرد حادثة معزولة، بل هي مرآة لأزمة أعمق يعيشها التعليم العالي المغربي؛ فساد بيداغوجي ناعم يتسلل خلف جدران المؤسسات ويُقايض التفوق بالزبونية والمال.
وفي سياق حراك وطني يطالب بالشفافية والمساءلة، يحق للمغاربة أن يسألوا؛ هل نُخرّج أجيالً بالكفاءة… أم نوزع الدبلومات بالمجاملات؟



