تدخل معركة طنجة–أصيلة مرحلتها الأكثر حساسية، بعدما انتهى زمن التعريف بالمرشحين والبرامج وبدأت مرحلة اختبار قدرة كل حزب على تحويل حضوره التنظيمي والاجتماعي إلى كتلة انتخابية فعلية. وفي هذا التوقيت بالذات، يضع التجمع الوطني للأحرار جزءاً مهماً من رهانه على عبد الواحد بولعيش، الذي يخوض السباق من موقع مختلف عن مرشح يظهر فقط مع بداية الحملة.
فالمسألة بالنسبة إلى بولعيش لا ترتبط بعدد الجولات التي قادها أو الأحياء التي زارها بقدر ما ترتبط بسؤال سياسي أكثر أهمية: هل يستطيع تحويل رصيده المحلي وشبكة علاقاته المتراكمة إلى وزن انتخابي داخل دائرة شديدة التنافس؟
منذ انطلاق الحملة، بدا واضحاً أن وكيل لائحة الأحرار اختار عدم بناء معركته على الضجيج السياسي أو الاشتباك اليومي مع خصومه. حملته اتجهت في مسار آخر، يقوم على توسيع الانتشار، تثبيت الحضور في الأحياء والمراكز والجماعات، وإبقاء الاتصال بالناخبين مفتوحاً إلى آخر أيام السباق.
وهذا الاختيار ليس تفصيلاً في حملة انتخابية قصيرة، بل يعكس تصوراً يقوم على أن معركة طنجة–أصيلة لن تحسم فقط داخل المهرجانات الخطابية أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما داخل شبكات القرب والعلاقات المحلية وقدرة كل لائحة على الوصول إلى ناخبين لا يظهرون بالضرورة في واجهة التجمعات الانتخابية.
هنا تحديداً يحاول بولعيش بناء موقعه داخل المنافسة.
فالرجل لا يقدم نفسه باعتباره وجهاً انتخابياً عابراً، بل يستند إلى مسار سابق داخل المدينة، تشكل عبر الرياضة والعمل الجمعوي والاجتماعي والتدبير المحلي. وهو رصيد تحاول حملته تحويله من معرفة اجتماعية وشخصية إلى ثقة سياسية قابلة للترجمة داخل صناديق الاقتراع.
ولهذا تبدو تحركاته خلال الأيام الأخيرة أقل ارتباطاً باستعراض قوة ظرفي، وأكثر اتصالاً بمحاولة تثبيت حضور طويل سبق زمن الانتخابات. فمن طنجة إلى أصيلة، مروراً بعدد من الجماعات والمراكز التابعة للعمالة، يتحرك بولعيش بمنطق توسيع المجال الانتخابي للحملة وعدم ترك أي منطقة خارج دائرة التواصل.
وفي خلفية هذا التحرك، تخوض لائحة الأحرار منافسة لا تخلو من التعقيد. فخمسة مقاعد فقط توجد على طاولة السباق، مقابل عدد كبير من اللوائح والأسماء التي تراهن بدورها على امتدادات حزبية ومحلية متفاوتة، وهو ما يجعل كل صوت ذا قيمة سياسية مضاعفة في الأيام الأخيرة.
وبولعيش يدرك أن الصراع في هذه المرحلة لم يعد حول من يظهر أكثر، بل حول من يستطيع الحفاظ على التعبئة حتى لحظة التصويت. لذلك تحولت حملته تدريجياً من مرحلة تقديم البرنامج والمرشح إلى مرحلة تثبيت الشبكات الانتخابية واستثمار علاقات القرب التي راكمها خلال سنوات سابقة.
حتى خطابه خلال الحملة حافظ في جانب كبير منه على هذا الاتجاه، إذ تجنب الانجرار إلى مواجهات مباشرة واسعة مع منافسيه، وفضل إبقاء رسالته متمحورة حول حضوره المحلي وما يقترحه على الناخبين. وهو خيار يمكن قراءته باعتباره محاولة لتقديم صورة مرشح يراهن على رصيده الشخصي والميداني أكثر من رهانه على الصراع السياسي المفتوح.
ومع اقتراب موعد الاقتراع، لم يعد التحدي أمام بولعيش هو إثبات وجوده داخل الحملة، فقد أصبح حضوره الميداني واضحاً، وإنما معرفة مقدار ما يمكن أن يترجمه هذا الحضور من أصوات.
ذلك هو الاختبار الحقيقي لوكيل لائحة الأحرار يوم 23 شتنبر: ليس حجم الجولات ولا كثافة الصور ولا عدد التجمعات، وإنما قدرة مسار محلي طويل وحملة واسعة الانتشار على التحول إلى وزن داخل صناديق الاقتراع.
وفي السياسة الانتخابية، تلك هي اللحظة التي ينتهي فيها زمن الصورة ويبدأ زمن الأرقام.



