اختارت إسبانيا إعادة إبراز حضورها السياسي والمؤسساتي في سبتة ومليلية عبر زيارة ملكية تحمل رسائل تتجاوز الطابع البروتوكولي، في توقيت لا تزال فيه تداعيات أزمة الهجرة الأخيرة تلقي بظلالها على علاقات مدريد بالرباط، وتعيد طرح إشكالية السيادة على المدينتين المحتلتين.
وحط الملك الإسباني فيليبي السادس، مرفوقا بزوجته ليتيثيا، الرحال بمدينة سبتة، الثلاثاء 13 أكتوبر 2026، منهيا غيابا ملكيا عن الثغر دام نحو 19 سنة، منذ الزيارة التي أجراها الملك السابق خوان كارلوس سنة 2007، والتي خلفت آنذاك أزمة دبلوماسية بين المغرب وإسبانيا.
ولم تتعامل السلطات الإسبانية مع الحدث باعتباره مجرد نشاط رسمي عابر، إذ شهدت المدينة استنفارا تنظيميا وأمنيا رافقته تعبئة إعلامية واسعة، شملت حضور نحو 200 وسيلة إعلامية، ونقل مراسم الاستقبال وتحركات العاهل الإسباني، في مشهد سعت من خلاله مدريد إلى إبراز رمزية الزيارة وأهميتها بالنسبة لمؤسساتها وسكان المدينة.
ويحمل توقيت هذه الخطوة دلالات خاصة، بالنظر إلى أنها تأتي غداة احتفالات إسبانيا بعيدها الوطني، وفي أعقاب أزمة حدودية غير مسبوقة شهدتها سبتة نهاية يوليوز الماضي، عندما تدفق عشرات الآلاف من المهاجرين إلى المدينة، مخلفين وضعا إنسانيا وأمنيا معقدا لم تتمكن السلطات الإسبانية من تجاوز جميع تداعياته حتى الآن.
وبينما انصبت التغطيات الرسمية الإسبانية على مشاهد الترحيب والاستقبال، أعادت تقارير صحفية دولية تسليط الضوء على الوجه الآخر للأوضاع داخل سبتة، حيث يستمر وجود مهاجرين، من بينهم قاصرون غير مصحوبين، في ظروف اجتماعية صعبة، إلى جانب استمرار الجدل بشأن طريقة تعامل الأجهزة الأمنية والعسكرية الإسبانية مع موجات العبور الجماعي.
وأوردت وكالة «أسوشيتد برس» أن الأزمة لم تنته بانحسار عمليات الدخول عبر الحدود، مشيرة إلى استمرار الضغوط على المؤسسات المحلية، فضلا عن التحقيقات المرتبطة باتهامات بارتكاب تجاوزات في حق مهاجرين، على خلفية شهادات وتقارير حقوقية تحدثت عن أعمال عنف وسوء معاملة.
وفي خضم هذه التطورات، يبدو أن القصر الملكي الإسباني اختار توجيه رسالة دعم إلى المؤسسات المحلية في سبتة ومليلية، بعدما أفرزت أزمة الهجرة شعورا متزايدا بالضغط لدى سكان المدينتين. وهي خطوة تكتسب، في الوقت نفسه، بعدا سياسيا يتصل بموقف مدريد من وضعيتهما الترابية، وفق ما أوردته وسائل إعلام إسبانية.
أما على الجانب المغربي، فقد اتسم التعامل الرسمي مع الزيارة بالتحفظ، دون تسجيل رد دبلوماسي معلن مماثل لذلك الذي رافق زيارة خوان كارلوس قبل نحو عقدين. ولفتت صحيفة «إلباييس» إلى غياب مسؤولين مغاربة بارزين عن الحفل الذي نظمته السفارة الإسبانية بالرباط بمناسبة العيد الوطني، دون أن يصدر تفسير رسمي يربط هذا الغياب بالزيارة الملكية.
وبالتوازي مع ذلك، برزت دعوات محدودة إلى الاحتجاج على الجانب المغربي من الحدود، من بينها تحرك مرتقب بمدينة الفنيدق، في حين بقيت المؤسسات الرسمية المغربية بعيدة عن التصعيد العلني بشأن الزيارة.
وأعادت هذه التطورات قضية سبتة ومليلية إلى اهتمام الصحافة الدولية، حيث تناولت صحيفة «لوموند» الفرنسية الخلفيات التاريخية للخلاف بين البلدين، مبرزة استمرار التباين بين الموقف الإسباني المتمسك بالسيادة على المدينتين، والموقف المغربي الذي يعتبرهما جزءا من الأراضي التي يطالب باسترجاعها.
وينتظر أن تستكمل الزيارة الملكية الإسبانية، الأربعاء، بمحطة مليلية، في امتداد لبرنامج رسمي تسعى من خلاله مدريد إلى تأكيد حضور مؤسسات الدولة بالثغرين، بينما تظل ملفات السيادة والهجرة والتعاون الحدودي من القضايا الحساسة التي تفرض نفسها على العلاقات بين المغرب وإسبانيا.
وبذلك، تعود سبتة ومليلية إلى قلب المشهد السياسي بين ضفتي مضيق جبل طارق، في ظل مساع إسبانية لإبراز سيادتها على المدينتين، وتحفظ مغربي رسمي لم يتخذ، حتى الآن، شكل مواجهة دبلوماسية معلنة.



