مازالت مؤسسة “وادي المخازن” بطنجة التي تم إغلاقها بداعي الإصلاح تواجه قدرها في صمت.. وبينما لم يستطع أحد ممن تواصل معهم موقع “طنجاوة” الجواب عن السؤال اللغز: “لماذا لم يتم إصلاح المدرسة في أفق إعادة فتحها؟”، يظهر جليا الغرض الأساس من كل ذلك، وبداية فك شفرة هذا “اللغز” تنطلق من المكان الاستراتيجي الذي تقع فوقه البناية المذكورة. حيث تقول مصادر “طنجاوة” إن أباطرة العقار أصبحوا يتهافتون على تحويل الرسم العقاري إلى “بنايات شاهقة” تدر عليهم الملايير من الدراهم.
“مؤسسة شبح”
لم يكن يونس يعتقد أن مؤسسة “وادي المخازن” التي درس فيها في سبعينيات القرن الماضي، ستتحول إلى “مؤسسة شبح” لم تتبق منها سوى جدران مُتهالكة ولافتة كُتب عليها اسم مدرسة تلقن فيها الأبجديات الأولى على يد أساتذة وضعوا اللبنات الأولى في مساره الدراسي.
يونس يتذكر الجمل الأولى التي تعلمها باللغة الفرنسية، في المؤسسة الموجودة في “دوكس ماليبونيو” المطل على كورنيش طنجة في منطقة “مالاباطا” وكذا الفيلا والصومعة التاريخيتين المجاورتين للمؤسسة التعليمية.
يقول يونس إن أجيالا من مختلف المناطق المجاورة (الشرف- بلاصاطورو- بلاص موزار- ماليبونيو- ماربيل- بوخاشخاش.. ) كانو يتابعون دراستهم فيها، وذلك بالرغم من صغر مساحتها.
أحد التلاميذ السابقين للمؤسسة، وابن المرحوم محمد الصغير المدير السابق لمدرسة وادي المخازن، يقول إن والده قضى حوالي 3 سنوات مسؤولا عن المؤسسة قبل تقاعده، معتبرا أنه قضى أجمل أيامه في هذه المؤسسة التي تعلم على يد أساتذتها الكثير.
إغلاق من أجل “إصلاح مع وقف التنفيذ”
في 1 يناير سنة 2005، قررت مديرية التعليم بطنجة أصيلة إغلاق المؤسسة في وجه التلاميذ من أجل إصلاحها، إذ بقيت على هذا الوضع إلى حدود كتابة هذه الأسطر.
ويقول أحد أعضاء آخر مكتب لجمعية الآباء وأولياء أمور التلاميذ (فضل عدم ذكر اسمه) إن موقع المؤسسة المطل على أفضل الوجهات السياحية بطنجة (مالاباطا) أسال لعاب “لوبي العقار” حيث وضعت خطة من أجل الهيمنة على المدرسة والمعلمتين التاريخيتين (الصومعة والفيلا).
فعلى من تقع مسؤولية إغلاق المؤسسة؟ وما مصير المعلمتين التاريخيتين؟ ومن المسؤول عن الترخيص لأكبر مشروع عقاري في المغرب؟
“بناية شبح” وملايير الدراهم!
لم يكن تواجد مؤسسة للتعليم العمومي في منطقة “مالبونيو” صدفة، بل حاجة ملحة لسكان المناطق المجاورة لتعليم أبنائها. تُشير المعطيات المتوفرة للموقع أن الرسم العقاري “T8/G” كان في عشرينيات القرن الماضي نواة لمنطقة صناعية تواجدت فيها شركات بينها (كوكاكولا- التبغ..) إضافة إلى مخزن للملح، وفي سنة 1936 جرى نقل معمل الدخان إلى الدار البيضاء والقنيطرة.
بناية مدرسة “الدوكس” التي سميت لاحقا بـ”وادي المخازن” سنة 1954، كانت مسكنا لمدير شركة “الدخان” قبل أن يقوم بوهبها إلى “الأملاك المخزنية”، حيث تحولت إلى مؤسسة تعليمية تتلمذ على يد أساتذتها أجيال بينهم محمد أرسلان عمدة مدينة طنجة الأسبق.
استمرت المؤسسة العمومية في استقبال التلاميذ إلى غاية بداية الألفية الثانية، حيث أصبح أباطرة العقار يتهافتون على تحويل الرسم العقاري إلى “بنايات شاهقة” تدر عليهم الملايير من الدراهم، خصوصا بعد “التحول الاقتصادي” الذي شهدته مدينة طنجة، حيث قفز “الوعاء العقاري” إلى أثمنة خيالية بعدما أصبح العرض أكثر من الطلب.
وحسب تقديرات خبير عقاري لموقع “طنجاوة” فإن صاحب المشروع الذي سيقوم بالبناء بجوار المدرسة والفيلا، من المحتمل أن يكسب أزيد من 50 مليار سنتيم، بسبب الجاذبية الاقتصادية للمنطقة.
تعددت التأويلات والمصير هو الإغلاق
في بدايات سنة 2003 بدأت تظهر تصدعات داخل المؤسسة التعليمية، ما تسبب بإغلاقها في فاتح يناير سنة 2005 بغرض الإصلاح، دون إعادة فتحها منذ ذلك التاريخ، لتصبح بناية شبح.
مصدر مطلع على الملف كشف لموقع “طنجاوة” أنه بعد إغلاق المؤسسة بدعوى الإصلاح، سعى مدير التعليم آنذاك بإيعاز من “أباطرة العقار” إلى تدشين مدرسة جديدة باسم “أحمد شوقي”، كما لم تقم المديرية بأي إصلاحات في ذلك الوقت، عكس ما وعدت به جمعية أولياء أمور التلاميذ. ووفق رواية المصدر، فإن “لوبيات العقار” شرعت في تفكيك الرسم العقاري T8/G”” الذي يحتوي على معلمتين تاريخيتين (صومعة عشرية، وفيلا بنمط معماري أندلسي) خطوة خطوة.
من جهته، يقول محمد العواج، مدير الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بالشمال في تصريح لموقع “طنجاوة” إن نيابة التعليم قررت إفراغ البناية لأنها كانت آيلة للسقوط، إضافة إلى أنه لم يعد هناك إقبال على المؤسسة من طرف سكان المناطق المجاورة لها، ما عجل بإغلاقها مؤكدا أنها لا زالت تابعة لوزارة التربية الوطنية.
يُضيف العواج أن وزارة التعليم دخلت في “حرب ضروس” مع “أباطرة العقار” بعد إغلاق المؤسسة، حيث حاولوا هدمها لكن الوزارة وقفت لهم بالمرصاد، مؤكدا أن المحكمة قضت ابتدائيا واستئنافيا، بأن بناية المؤسسة ملك لوزارة التعليم، والأرض محل النزاع لأصحابها المتنازعين.
وبالرغم من إلحاح الموقع للحصول على وثائق من الأكاديمية، إلا أن رد المدير كان “هادشي اللي عندي، وشي لاخور معنديش”.
يؤكد رشيد ريان، مدير مديرية التعليم بعمالة طنجة أصيلة للموقع، أن ما كشف عنه رئيسه العواج هي المعطيات المتوفرة، مشيرا أنه لا يوجد أرشيف لدى المديرية، فقط معطيات متداولة، مبررا ذلك، على اعتبار أنه لم يكن مسؤولا عن تلك المرحلة.

مرتبة ولكن مهددة!
مصادر من وزارة الثقافة أكدت للموقع أن البنايتين (الصومعة العشرية والفيلا) مرتبتين تحت رقم (1723-07) بتاريخ 13 شتنبر 2007.
وتضيف المصادر أن البنايتين الموجودتين في ملك خاص يحمل اسم “دوكس مونوبوليو” المطل على شارع وجدة، جرى بناؤهما في منتصف القرن العشرين، إذ تأخذ الفيلا شكلا بسيطا ومرتبا، تحيط به مساحة مركزية مكونة من مباني ذات أسقف مزدوجة، مغطاة بالبلاط الأحمر، كما يوجد في وسط الفضاء مصلى بمئذنة مثمنة الشكل.
وفي السياق ذاته، كشف مهتم بالشأن التاريخي بطنجة أنه يستحيل الحفاظ على البنايتين التاريخيتين، وفي نفس الوقت تشييد “عمارات شاهقة”، معتبرا أن “أباطرة العقار” يسعون إلى اقتناص الفرص المناسبة من أجل هدم “أحد المعالم التاريخية للمدينة”، كما وقع مع عدد من المآثر التي اختفت فجأة، ولم تجد من يدافع عنها.




