في واقعة أغرب من الخيال وأقرب إلى العبث البحري، اختارت عدد من البواخر التي ترفع الراية المغربية أن تهجر موانئ طنجة المدينة وطنجة المتوسط، وتشد الرحال صوب الجارة الشمالية إسبانيا، ليس للسياحة أو التسوق، بل للتزود بالوقود وحتى لشراء المؤونة الغذائية، في مشهد يعكس كيف صار “الدرهم المغربي” أكثر سخاء مع الاقتصاد الإسباني من الاقتصاد المحلي.
والأغرب أن هذه البواخر التي يفترض فيها أن تكون سفيرة اقتصادية عائمة للمغرب، فضلت أن تترك الشركات المغربية التي تبيع الوقود في موانئ طنجة تشرب من ماء البحر، بينما تفتح خزائنها للشركات الإسبانية، التي تفرح كلما رأت سفينة مغربية ترسو على موانئها وكأنها هدية عيد الميلاد.
هذا السلوك، الذي يصلح أن يدرس في معاهد “العبث الإداري”، يتناقض تماما مع ما تقوم به الشركات الإسبانية نفسها، التي تعتبر أن كل يورو يصرف خارج التراب الإسباني هو “خيانة اقتصادية”، لذلك تحرص هذه الشركات على ملء خزاناتها من الوقود الإسباني وشراء مؤونتها من الأسواق المحلية، بما يعزز اقتصادها ويدعم عمالتها.
لكن عندنا، تجد بعض أصحاب البواخر المغربية يرفعون شعار: “المغاربة أولى بالخسارة”، وينقلون أموالهم إلى شركات الجيران دون خجل، بل وكأنهم يتباهون بذلك، بينما لو سُئلوا عن الوطنية لارتدوا العلم المغربي وألقوا محاضرة في حب الوطن.
والمثير أن هذه الظاهرة ليست سرا عسكريا، بل معروفة لدى الجميع، ومع ذلك لا أحد تجرأ على فتح هذا الملف أو مساءلة هؤلاء “الملاحين الوطنيين” عن سر هذا الولاء العابر للحدود، وكأن المطلوب هو أن نبارك لهم هذا الزواج العرفي مع الاقتصاد الإسباني، بينما الاقتصاد المغربي ينتظر على الرصيف مثل عروس مغدورة.



