أثار الدكتور محمد عزيز الطويل، الباحث الطنجي في التاريخ والحضارة، الانتباه إلى عدد من الأخطاء والمغالطات التاريخية الواردة في النص التعريفي المنشور على البوابة الرسمية لجماعة طنجة.
واعتبر الطويل في مقال له حول الموضوع، أن ما جاء فيه لا يرقى إلى مستوى مدينة بحجم طنجة، ولا يتناسب مع مسؤولية جماعة يُفترض أن تشرف على تقديم صورة دقيقة وراقية عن تاريخ المدينة وأبعادها الحضارية.
وقال الدكتور الطويل إن هذه الأخطاء تمسّ بمصداقية الجهة الناشرة، خصوصا في ظل انخراط عمدة المدينة في محافل دولية تُعنى بالمدن المتوسطية والجماعات الرائدة، مضيفا أن من واجب الجماعة، بما تتوفر عليه من مستشارين ومشرفين إعلاميين، أن تبذل مجهودا أكبر في تقديم معلومات دقيقة بأسلوب جذاب، يعكس عراقة المدينة ويخدم الباحثين والزوار ويعزز من مكانة طنجة كوجهة ثقافية وتاريخية.
وأكد الباحث أن ما جاء في النص لا يشوّه فقط التاريخ، بل يُفوت أيضا فرصة حقيقية لتقديم محتوى نوعي يراعي الهوية والذاكرة الجماعية للمدينة، ويواكب الدينامية التنموية التي تشهدها في ظل الأوراش الملكية الكبرى.
وقد وقف الدكتور الطويل على مجموعة من الأخطاء الجوهرية في محتوى النص تتمثل أولاها في خلل شاب التسلسل الزمني للحضارات.
وأشار الباحث إلى أن النص يورد أن الوندال استقروا بطنجة قبل الفينيقيين والرومان، وهو خطأ تاريخي صارخ، وفق تعبيره، إذ أن الفينيقيين كانوا أول من أسس مراكز تجارية بالمنطقة، تبعهم القرطاجيون ثم الرومان، ليأتي بعدهم الوندال مع بداية القرن الخامس الميلادي، تلاهم البيزنطيون.
واقترح الطويل تصحيحا دعا فيه إلى أن يكتب، “تعد طنجة من أقدم المدن المتوسطية، حيث ارتبطت نشأتها بالأسطورة، وقد استقر بها الفينيقيون، تلاهم القرطاجيون، ثم الرومان، فالوندال، وأخيرا البيزنطيون”.
وأكد أن ثاني الأخطاء يظهر في تحديد تاريخ الفتح الإسلامي، حيث أوضح الدكتور الطويل أن النص يُرجع الفتح الإسلامي لطنجة إلى سنة 711م، بينما يؤكد المؤرخون أن الفتح تم على يد القائد موسى بن نصير حوالي سنة 702م، أما سنة 711م فهي تاريخ عبور طارق بن زياد إلى الأندلس.
واعتبر أن الصياغة الدقيقة وجب أن تكون، “مع بداية القرن الثامن الميلادي، دخل الفتح الإسلامي مدينة طنجة بقيادة موسى بن نصير، لتتحول إلى قاعدة انطلاق لجيش طارق بن زياد نحو الأندلس سنة 711م”.
ثالث المغالطات أبرزها الطويل في الاحتلالين البرتغالي والإنجليزي، فقد انتقد الباحث ما ورد في النص بخصوص “دور تجاري” بين البرتغال والعرب سنة 1471، مؤكدا أن الأمر يتعلق باحتلال عسكري مباشر من طرف البرتغاليين سنة 1471، قبل أن تُمنح المدينة لإنجلترا عام 1661 كجزء من اتفاق زواج، وظلت تحت حكمها حتى 1684، حينما استعادها السلطان مولاي إسماعيل بعد حصار طويل.
وأشار إلى أن رابع خطإ تمثل في سوء فهم القرصنة البحرية، إذ نبه الدكتور الطويل إلى أن القول بأن طنجة تحولت إلى “مرفأ بسبب القراصنة” يعكس خلطا واضحا بين السبب والنتيجة، موضحا أن الجهاد البحري كان نتاجا لضعف الدولة المركزية في القرن 17، وليس سببا في تحول المدينة إلى ميناء.
خامس المغالطات قدمها الباحث التاريخي في عدم دقة في تناول مرحلة التدويل، وأكد الطويل أن تدويل مدينة طنجة بدأ رسميا بعد التوقيع على معاهدة النظام الأساسي في 18 دجنبر 1923، وليس في الفترة بين 1911 و1912 كما ورد في النص.
كما أغفل النص، يضيف الباحث، البروتوكول المعدِّل لسنة 1928، ومرحلة الاحتلال الإسباني خلال الحرب العالمية الثانية في يونيو 1940، والعودة للنظام الدولي سنة 1945، قبل إنهاء التدويل سنة 1956.
وتطرق الطويل إلى سادس المغالطات المتمثلة في تجاهل الفترات الإسلامية الزاهرة، مبرزا أن النص أغفل كليا فترات ازدهار المدينة خلال حكم المرابطين والموحدين في القرنين 11 و12، حيث لعبت طنجة دورا محوريا في الربط بين المغرب والأندلس، وشهدت نشاطا تجاريا وعلميا متميزا.
وانتقد الطويل جماعة طنجة في سابع ملاحظاته قائلا إن جردها للتاريخ الطنجي لم يواكب التطورات الحديثة، وأشار الدكتور الطويل إلى أن النص يتجاهل بشكل واضح التحولات العميقة التي تعرفها طنجة في ظل الأوراش الكبرى التي أطلقها الملك محمد السادس، والتي حولت المدينة إلى منصة لوجستية كبرى وفضاء ثقافي دولي متعدد الأبعاد.
وفي ختام ملاحظاته، دعا الدكتور محمد عزيز الطويل جماعة طنجة إلى تحمل مسؤوليتها في تصحيح هذه الأخطاء، والاستعانة بمختصين في التاريخ والحضارة لضمان تقديم محتوى يليق بمكانة المدينة، ويعزز من صورتها داخليا وخارجيا، ويُرسّخ الذاكرة الجماعية للساكنة.



