في مقال مطوّل بصحيفة The Telegraph البريطانية، عاد الكاتب ميك براون إلى مدينة طنجة بعد أكثر من نصف قرن من زيارته الأولى لها، ليكتشف أن هذه المدينة التي وصفها بـ”مدينة الأحلام” ما تزال تحتفظ بجاذبيتها وسحرها الخاص، رغم التغييرات العمرانية والديموغرافية الكبيرة التي شهدتها.
منذ اللحظة الأولى التي جلس فيها في مقهى سنترال بساحة السوق الداخل، استعاد براون مشاهد الماضي التي تختلط فيها الحكايات الأسطورية بالواقع. بالنسبة له، طنجة “مدينة تنضح بالجمال والسحر والغموض، وتحمل في طياتها تاريخا غنيا ومليئا بالتناقضات”.
مدينة التجار والجواسيس والكتاب
ذكّر الكاتب البريطاني بفترة المنطقة الدولية (1923 – 1956)، حين كانت طنجة نقطة التقاء بين الشرق والغرب، وملاذا للجواسيس والمهربين والمنفيين، إلى جانب الأدباء والفنانين.
ووصفها الكاتب الاسكتلندي إيان فينلايسون ذات مرة بأنها “غرفة انتظار للفشل وردهة لليأس”، لكنها في الوقت نفسه منحت كتابا كبارا مثل بول بولز وويليام بوروز فضاء للإبداع والانغماس في حياة خارج المألوف.
بول بولز، الذي استقر في طنجة حتى وفاته عام 1999، اعتبرها “مدينة الأحلام… مناخها خامل وخطير في الآن ذاته”، فيما وجد بوروز فيها مسرحا لانغماسه في الرذائل وإلهاما لكتابه الشهير غداء عار.
بين الماضي والحاضر
ورغم ما ارتبط بالمدينة من “صور الفوضى والانحلال” وفق تعبيره، فإن براون يرى أن طنجة اليوم تحولت إلى مدينة أكثر نظافة وهدوءا، بل وأكثر أمنا مقارنة بزمن الستينات والسبعينات. فـ”المدينة العتيقة أصبحت أكثر أمانا ونظافة، بفضل حضور الشرطة السياحية وصرامة القوانين”، يقول أحد أصحاب المقاهي للكاتب.
لكن ما لم يتغير، حسبه، هو روح طنجة المليئة بالتناقضات، من مقاهي الحشيش التقليدية مثل مقهى بابا الذي احتضن “الرولينغ ستونز”، إلى بيوت الأثرياء مثل قصر باربرا هوتون الملقبة بـ”ملكة طنجة”، التي حولت بيتها إلى أسطورة اجتماعية في أربعينات القرن الماضي.
مدينة الأرواح الأدبية والفنية
يستعرض براون أيضا أسماء ارتبطت بالمدينة؛ من الرسام ماتيس الذي رسم من فندق “فيلا دو فرانس”، إلى الروائي البريطاني إيان فليمنغ الذي كتب جزءا من Diamonds are Forever في فندق “المينزه”. كما توقف عند فيلا هاريس التي تحولت إلى متحف يحتضن لوحات أوروبية ومغربية تعكس سحر طنجة عبر القرون.
وفي مشهد آخر من مقاله، يصف الكاتب لقاءه بأصحاب مكتبات ومبدعين أجانب استقروا في طنجة، مثل الفرنسية ستيفاني غاو، التي اعتبرت المدينة “فضاء للفانتازيا، ملهمة للكتاب، ومكانا حيث يظل كل شيء ممكنا”.
“حيث كل شيء ممكن”
يلخص براون انطباعاته الأخيرة عن طنجة بأنها “مدينة ذات طابع حميمي”، تجمع بين الشرق والغرب، الروحانية والخطيئة، الماضي الأسطوري والحاضر العصري. ويقتبس من أحد المخرجين الذين التقاهم بالمدينة قوله: “طنجة هي المكان الوحيد حيث يمكن أن تسلك درب الروحانية أو طريق الخطيئة… إنها المدينة التي يظل فيها كل شيء ممكنا”.



