في الوقت الذي يُمنع فيه مواطن بسيط من بناء غرفة فوق سطح منزله بحجة “عدم احترام تصميم التهيئة”، تُغرس الأعمدة الخرسانية في قلب غابة مديونة بطنجة، آخر رئة خضراء تُقاوم زحف الإسمنت في المدينة.
مفارقة تضع علامات استفهام كبرى حول عدالة رخص البناء في طنجة، وتكشف عن وجه آخر لتدبير المجال الحضري في المدينة.
خلال الأيام الأخيرة، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي صورٌ توثّق انطلاق أشغال بناء داخل غابة مديونة، رغم أن هذه المساحة تصنَّف منذ أكثر من عشر سنوات كمجال غابوي محميّ وفق تصميم التهيئة.
المشهد أثار غضبا واسعا بين الطنجيين، الذين رأوا في ذلك حلقة جديدة من مسلسل تحويل الغابات إلى مشاريع عقارية تهم فئة محدودة من “المحظوظين”.
“الفقراء ينتظرون رخصة، والأغنياء يبنون بلا رخصة”، هذا لسان حال سكان طنجة المستغربين من “طبقية” تصاميم التهيئة المطبقة بصرامة على الراغبين بلم شمل أسرهم في منازل لا تتجاوز 60 مترا مربعا، والغاضة النظر عن “صحاب الشكارة”، مهيئين لهم غابات طنجة، بدون استثناء، على مصراعيها.
الأسئلة تتكاثر: من منح الترخيص؟ وأين هي الوكالة الحضرية وجماعة طنجة والسلطات الإقليمية من واجب حماية هذا الفضاء الطبيعي؟ فالغابة ليست مجرد مساحة من الأشجار، بل هي إرث بيئي وتاريخي للمدينة، ومتنفّس لسكانها الذين يختنقون يوما بعد يوم تحت وطأة المشاريع الإسمنتية.
في المقابل، تبرر بعض الجهات بأن “الأشغال قانونية” أو أنها “تخصّ قطعا سبق تفويتها قديماً”، لكن هذا التبرير لا يصمد أمام واقع يقول إن الغابة تتقلص، والمجال الأخضر يُختزل سنة بعد أخرى، دون أن يُفتح تحقيقٌ جديّ حول من منح الضوء الأخضر ومن يستفيد فعلا.
مدينة البوغاز التي كانت يوماً تُعرف بجمالها الطبيعي وساحلها الممتد وغاباتها الغنية، صارت اليوم فضاء يضيق بالمشاريع العقارية الفاخرة. من الرميلات إلى المنار ومديونة، تتكرّر القصة نفسها: الأشجار تُقتلع، والإسمنت يُزرع مكانها.
إنها ليست فقط قضية بيئية، بل قضية عدالة مجالية واجتماعية. فمن غير المقبول أن يُمنع المواطن البسيط من حقه في السكن اللائق باسم القانون، بينما تُخرق القوانين نفسها باسم “الاستثمار”.
لقد حان الوقت لفتح نقاش عمومي حقيقي حول مصير غابات طنجة، يُشارك فيه المواطنون والفاعلون المدنيون، بدل أن يُقرَّر مصير المدينة خلف الأبواب المغلقة.
فالغابات ليست ترفا عمرانيا، بل حقٌّ جماعيّ في الهواء النقي والتوازن البيئي، وحمايتها اليوم هي مسؤولية الجميع، قبل أن نصحو ذات صباح ونكتشف أن آخر الأشجار قد سقطت، وأن غابة مديونة لم تعد سوى ذكرى في ذاكرة طنجة.



