تتواصل ارتدادات الفوضى التي تطبع تدبير قطاع الماء والكهرباء بطنجة، وهذه المرة من خلال وثائق رسمية تكشف ازدواجية مريبة بين شركة “أمانديس” ومقاطعة بني مكادة، في واحد من أكثر الملفات حساسية؛ ربط المباني بشبكتي الماء والكهرباء.
ففي الوقت الذي تستعد فيه “أمانديس” لمغادرة المدينة، برزت إلى السطح شهادة إدارية صادرة عن رئيس مجلس مقاطعة بني مكادة، تمنح الإذن بربط أربعة طوابق كاملة بأحد المنازل، معتبرة أن البناية قائمة ومهيأة للاستفادة من خدمات الماء والكهرباء.
غير أن المفاجأة جاءت من مراسلة رسمية للشركة الموفضة بتدبير الماء والكهرباء وتطهير السائل، تؤكد، بناء على محضر معاينة ميداني أنجزته لجنة مختلطة، أن الربط لا يشمل سوى الطابقين الأول والثاني فقط، موضحة أن الطابقين الثالث والرابع لا يستوفيان الشروط التقنية المطلوبة.

هذا التناقض الصارخ دفع أمانديس إلى مراسلة رئيس المقاطعة محمد الحمامي بشكل مباشر، مطالبة بتفسير كيف ولماذا منحت المقاطعة شهادة تُدرج طوابق لم تُسجَّل أصلا في تقرير المعاينة. وهو سؤال لم يعد من الممكن تجنّبه، خصوصا عندما يتعلق الأمر بقرارات لها تبعات قانونية وإدارية ومالية على المواطن والإدارة على حد سواء.
الأدهى أن وثيقة المقاطعة نفسها تُقرّ بأن الشهادة لا تُثبت الملكية ولا تُسقط أي مسؤولية عن طالب الربط، لكنها في المقابل تمنحه إذنا بتجهيز أربعة طوابق دفعة واحدة، وهو ما يُفسَّر لدى كثيرين بوجود خلل واضح في طريقة منح الشهادات الإدارية داخل أكبر مقاطعة بطنجة.
وبينما يرى البعض أن أمانديس بدأت في “تفريغ جعبتها” قبل الرحيل، وأنها تستغل الأسابيع الأخيرة لتعرية اختلالات كانت صامتة حولها لسنوات، يعتبر آخرون أن المقاطعة تتحمل مسؤولية إصدار شهادات متسرعة أو غير منسجمة مع الواقع العمراني، خاصة في أحياء تعرف انتشاراً واسعاً للبناء غير المنظم.
وفي ظل هذا التجاذب، يطرح الشارع الطنجاوي أسئلة مشروعة؛ كيف يمكن لمواطن بسيط أن يثق في مساطر تمنحه حقا في وثيقة ثم تُسقطه وثيقة أخرى؟ وأين تبدأ مسؤولية المقاطعة وأين تنتهي مسؤولية الشركة؟ ومتى سيتم وضع حد لهذا التخبط الذي يجعل ربط منزل بالماء والكهرباء يتحول إلى متاهة بيروقراطية؟
ما هو واضح اليوم أن الواقعة ليست معزولة، بل تعكس عمق الإشكال في تنسيق الإدارات المحلية في ملف يرتبط بحق أساسي للمواطن.
ومع اقتراب انتقال تدبير القطاع لشركة جديدة، يخشى كثيرون أن تنفجر ملفات مشابهة، بما قد يجعل نهاية عهد أمانديس بداية مرحلة أكثر سخونة، تستدعي محاسبة ومراجعة صارمة لكل المتدخلين دون استثناء.



