لم يعد السؤال في دائرة طنجة-أصيلة هو من سيترشح للانتخابات التشريعية المقبلة، بعدما بدأت ملامح السباق تتضح، بل من يملك القدرة على قلب الخريطة التي أفرزتها انتخابات 2021.
فالدائرة التي وزعت مقاعدها الخمسة قبل خمس سنوات على خمسة أحزاب، تستعد اليوم لمعركة مختلفة تماماً، أسماء عادت للواجهة، وأخرى غيّرت مواقعها، فيما يحاول حزب سقط من جميع الحسابات في 2021 استعادة موطئ قدم داخل واحدة من أكثر الدوائر الانتخابية حساسية بجهة الشمال.
في قلب هذه التحولات يوجد محمد الزموري.
فالبرلماني الذي تصدر انتخابات 2021 عن الاتحاد الدستوري بـ22 ألفاً و821 صوتاً، لن يدخل السباق المقبل باللون الحزبي نفسه، بعدما اختار الترشح باسم الحركة الشعبية. وهو ما يجعل انتقاله أحد أبرز مفاتيح الانتخابات المقبلة، ليس فقط بسبب اسمه، وإنما بسبب السؤال الذي يفرضه هذا الانتقال: هل ينتقل الرصيد الانتخابي للزموري معه، أم أن الاتحاد الدستوري سيحتفظ بجزء من قوته داخل الدائرة؟
الجواب سيحدد جزءاً مهماً من ملامح المنافسة.
“البام” يرفع سقف الرهان
في الضفة الأخرى، لا يتعامل حزب الأصالة والمعاصرة مع الاستحقاق المقبل بمنطق الدفاع فقط عن المقعد الذي حصل عليه في 2021.
الحزب يضع عبد اللطيف الغلبزوري، أمينه الجهوي، في مقدمة لائحته، في محاولة لتعزيز حضوره داخل دائرة لا تكفي فيها القوة التنظيمية وحدها لضمان المقعد.
وبالموازاة، يدخل التجمع الوطني للأحرار بعبد الواحد بولعيش، بعدما كان عمر مورو قد قاد لائحة الحزب في انتخابات 2021 وحصل بها على 19 ألفاً و900 صوت، قبل أن ينتقل مقعده إلى وصيفه الحسين بن الطيب بعد انتخاب مورو رئيساً لمجلس الجهة.
أما حزب الاستقلال، فيختار طريق الاستمرارية، مع الإبقاء على محمد الحمامي وكيلاً للائحته، وهو الذي جاء ثانياً في الاستحقاق السابق بـ21 ألفاً و218 صوتاً.
والاتحاد الاشتراكي بدوره يحتفظ بعبد القادر الطاهر، صاحب المقعد الخامس في انتخابات 2021، بعدما حصل على 11 ألفاً و650 صوتاً.
عودة “المصباح”.. ولكن من الصفر
أكبر محاولة لاستعادة النفوذ تأتي من حزب العدالة والتنمية.
الحزب الذي كان قبل عقد من الزمن القوة الانتخابية الأولى في طنجة-أصيلة، يجد نفسه اليوم مضطراً إلى إعادة بناء حضوره من جديد، بعدما تحولت نتيجة 2016، التي حصل فيها على 60 ألفاً و278 صوتاً وثلاثة مقاعد، إلى ذكرى بعيدة في انتخابات 2021.
في الاستحقاق الأخير، لم يحصل “المصباح” على أي مقعد.
واليوم يدفع بمحمد بوزيدان لخوض المعركة، في محاولة لإعادة الحزب إلى الخريطة البرلمانية للدائرة، لكن المهمة تبدو مختلفة هذه المرة، بعدما تغيرت موازين القوى وبرزت أسماء أصبحت أكثر حضوراً في المشهد المحلي.
وفي الجهة المقابلة، يسعى حزب التقدم والاشتراكية إلى كسر احتكار الأسماء التي اعتادت الظهور في واجهة المنافسة، من خلال ترشيح الموثق الدحمان المزرياحي.
درس 2016 و2021: طنجة-أصيلة لا تحتفظ بخريطتها
الأرقام السابقة تقدم مفتاحاً مهماً لفهم ما يمكن أن يحدث في 23 شتنبر.
ففي 2016، كان العدالة والتنمية قادراً على انتزاع ثلاثة مقاعد دفعة واحدة، بينما كان محمد الزموري قد حصل باسم الاتحاد الدستوري على 10 آلاف و636 صوتاً فقط.
بعد خمس سنوات، انقلب المشهد.
الزموري تصدر النتائج بأكثر من 22 ألف صوت، والعدالة والتنمية خرج من السباق بلا مقعد، فيما تقاسمت خمسة أحزاب المقاعد الخمسة.
وبين النتيجتين، يتضح أن طنجة-أصيلة ليست دائرة تمنح مقاعدها بشكل ثابت، بل دائرة يمكن أن تنقلب فيها الموازين خلال دورة انتخابية واحدة.
المعركة الحقيقية بدأت قبل الحملة
لهذا، فإن انتخابات 2026 ستكون اختباراً لثلاثة أنواع من المرشحين: من يريد الحفاظ على مقعده، ومن يريد استعادة مقعد ضائع، ومن يدخل السباق للمرة الأولى بهدف اقتحام دائرة مغلقة نسبياً.
محمد الزموري يخوض امتحان الحزب الجديد، عبد اللطيف الغلبزوري يدخل سباقاً انتخابياً بوزن تنظيمي، محمد الحمامي وعبد القادر الطاهر يدافعان عن مقعدين، والأحرار يحاول الحفاظ على موقعه بوجه جديد، فيما يبحث العدالة والتنمية عن طريق العودة.
كل ذلك يجعل المقاعد الخمسة في طنجة-أصيلة مفتوحة على صراع انتخابي لا تحسمه نتائج 2021 وحدها.
فإذا كانت انتخابات 2016 قد أسقطت حسابات ما قبلها، وإذا كانت انتخابات 2021 قد قلبت الطاولة على العدالة والتنمية وأعادت توزيع المقاعد، فإن انتخابات 23 شتنبر قد تكون موعداً جديداً لإعادة ترتيب موازين القوى في واحدة من أكثر الدوائر الانتخابية متابعة في شمال المغرب.



