دخل اتحاد طنجة سوق الانتقالات الصيفية مبكرا، معلنا عن سلسلة من التعاقدات استعدادا للموسم الجديد، غير أن الأسماء التي استقطبها النادي لم تُحدث الصدى الذي كانت تنتظره جماهير “فارس البوغاز”، بل فتحت بابا واسعا للنقاش حول طبيعة الاختيارات الرياضية، والمعايير التي تحكم سياسة الانتدابات داخل الفريق.
ففي الوقت الذي كانت الجماهير تنتظر التعاقد مع لاعبين مجربين وأسماء قادرة على صناعة الفارق ورفع سقف الطموحات، جاءت أغلب الصفقات بأسماء غير معروفة لدى المتابعين للبطولة الوطنية، أو بلا سجل كروي يبرر الرهان عليها، وهو ما أعاد إلى الأذهان سيناريوهات عاشها النادي خلال مواسم سابقة، عندما تحولت الانتدابات إلى عبء مالي ورياضي بدل أن تكون قيمة مضافة للفريق.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت هذه الأسماء ستنجح أو ستفشل، لأن كرة القدم لا تعترف بالأسماء فقط، بل لماذا يواصل اتحاد طنجة المغامرة بصفقات تفتقد، على الأقل في ظاهرها، إلى مؤشرات واضحة على النجاح؟ وهل خضعت هذه الاختيارات فعلا لدراسة تقنية دقيقة من الطاقم الرياضي، أم أنها جاءت نتيجة اقتراحات وكلاء لاعبين وسماسرة يبحثون عن تسويق موكليهم؟
التجارب السابقة تدعو إلى الحذر. فخلال السنوات الأخيرة، مر على اتحاد طنجة عشرات اللاعبين الذين غادروا بعد أشهر قليلة دون أن يتركوا أي بصمة، بينما تكبد النادي مبالغ مهمة في التعاقدات وفسخ العقود، في وقت كان يعاني فيه أصلا من أزمات مالية وعقوبات حالت دون إبرام تعاقدات في فترات سابقة. وأصبح النادي، في أكثر من مناسبة، حقل تجارب لصفقات لم تحقق أي مردود رياضي.
المثير للانتباه أن عددا من الوافدين الجدد ينتمون إلى دوريات أو تجارب كروية لا تحظى بمتابعة واسعة داخل المغرب، ما يجعل تقييم مستواهم الحقيقي أمرا معقدا بالنسبة للجماهير وحتى للملاحظين، بينما تعتمد أغلب الأندية التي تنافس على المراكز المتقدمة على لاعبين أثبتوا إمكانياتهم داخل البطولة الاحترافية أو في دوريات ذات مستوى تنافسي معروف.
ولا يتعلق الأمر هنا بالتقليل من قيمة أي لاعب، فكم من اسم مغمور تحول إلى نجم، لكن الاحتراف يقتضي أن تكون الصفقات مبنية على رؤية واضحة، وعلى مؤشرات رقمية وتقنية دقيقة، وليس على مجرد الوعود أو تسجيلات فيديو مختارة بعناية.
اليوم، يجد المكتب المسير نفسه أمام مسؤولية كبيرة. فإذا كانت هذه الانتدابات ثمرة مشروع رياضي حقيقي، فعليه أن يشرح للجماهير فلسفة الاختيار، وما الذي يجعل هذه الأسماء قادرة على إعادة اتحاد طنجة إلى الواجهة. أما إذا كانت مجرد صفقات فرضها السوق ووكلاء اللاعبين، فإن النادي قد يكون بصدد تكرار الحلقة نفسها التي كلفته كثيرا في الماضي.
جماهير اتحاد طنجة لم تعد تطالب بصفقات استعراضية أو أسماء لامعة فقط، بل تريد تعاقدات مدروسة، قائمة على الكفاءة والحاجة التقنية، لأن الفريق دفع ثمنا باهظا في السنوات الأخيرة بسبب أخطاء التسيير وسوء تدبير ملف الانتدابات.
ويبقى الحكم النهائي على هذه الصفقات رهينا بما ستقدمه فوق أرضية الملعب، لكن من حق الرأي العام الرياضي أن يطرح الأسئلة منذ الآن، وأن يطالب بالشفافية في تدبير الميركاتو، لأن الأندية الكبيرة لا تُبنى بكثرة التعاقدات، بل بجودة الاختيارات.
فهل تكون انتدابات هذا الصيف بداية مشروع رياضي جديد يعيد اتحاد طنجة إلى مكانته الطبيعية؟ أم أن الأشهر المقبلة ستؤكد مرة أخرى أن “فارس البوغاز” كان ضحية لسوق السماسرة أكثر مما كان مستفيدا منه؟


