في مسار رجال الأمن، هناك أسماء تمر من المناصب ثم تغادرها، وأخرى تترك وراءها أثراً يصعب محوه. وبين هؤلاء يبرز اسم عبد الكبير فرح، الذي ارتبط اسمه لسنوات بمدينة طنجة، قبل أن تنقله الثقة الموضوعة في تجربته وكفاءته إلى منصب مدير الأمن العمومي بالمديرية العامة للأمن الوطني.
مسار فرح لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة سنوات من التدرج داخل المؤسسة الأمنية، والتنقل بين مهام ومسؤوليات مكنته من الاقتراب من مختلف تفاصيل العمل الأمني، قبل أن يصل إلى واحدة من أهم المسؤوليات الأمنية على المستوى الوطني.
بدأ الرجل مساره من الميدان، وتولى في مرحلة من مراحل تجربته مسؤولية رئاسة المصلحة الولائية للشرطة القضائية بولاية أمن طنجة، وهي مسؤولية تتطلب خبرة كبيرة في تدبير الأبحاث والتحقيقات والملفات الأمنية، إلى جانب القدرة على قيادة الفرق والتعامل مع مختلف القضايا ذات الطبيعة الحساسة.
وبعد ذلك، انتقل إلى مسؤولية نائب والي أمن طنجة، قبل أن يتولى قيادة ولاية أمن طنجة، حيث وجد نفسه أمام مسؤولية تدبير جهاز أمني بمدينة ذات خصوصية استثنائية، تتقاطع فيها الحركة الاقتصادية والسياحية والمينائية مع تحديات أمنية متجددة.
وفي طنجة، لم يكن حضور عبد الكبير فرح مرتبطاً بالمكتب فقط، بل بالميدان أيضاً.
فخلال فترة تحمله مسؤولية ولاية أمن طنجة، واكب مختلف الملفات الأمنية التي عرفتها المدينة، وعمل على تعزيز التنسيق بين المصالح والوحدات الأمنية، ومواجهة التحديات التي تفرضها مدينة تتسع باستمرار وتعرف حركية بشرية واقتصادية كبيرة.
وبفضل هذا العمل المتواصل، إلى جانب جهود مختلف المصالح الأمنية والقيادات والأطر والموظفين، قطعت طنجة أشواطاً مهمة في تعزيز الإحساس بالأمن، وأصبحت اليوم تُنظر إليها باعتبارها واحدة من المدن المغربية التي تعرف حضوراً أمنياً قوياً واستجابة سريعة لمختلف التحديات.
ولم يكن الوصول إلى هذه النتيجة مجهود شخص واحد بطبيعة الحال، فالأمن عمل مؤسساتي تشارك فيه مختلف المصالح والوحدات، غير أن اسم عبد الكبير فرح ارتبط لدى كثير من أبناء طنجة بمرحلة اتسمت بالحضور الميداني والانفتاح على مختلف القضايا الأمنية التي تشغل سكان المدينة.
لقد عرفته طنجة في أكثر من موقع، ورأت فيه المسؤول الأمني الذي تدرج من الشرطة القضائية إلى نيابة ولاية الأمن، قبل أن يتحمل مسؤولية قيادة الولاية نفسها.
وهذا التدرج هو أحد أبرز عناصر قوة مساره المهني؛ إذ إن الرجل لم يصل إلى موقع القيادة من خارج الميدان، وإنما حمل معه إلى كل مسؤولية جديدة تجربة السنوات السابقة، بما راكمه من معرفة بتفاصيل العمل الأمني، وبخصوصيات المدينة، وبطبيعة التحديات التي تواجهها.
واليوم، يغادر عبد الكبير فرح طنجة نحو مسؤولية وطنية أكبر، بعد أن أسند إليه منصب مدير الأمن العمومي بالمديرية العامة للأمن الوطني، خلفاً للراحل الحايلي الزيتوني.
المنصب الجديد يضع أمامه مسؤوليات واسعة، بالنظر إلى الدور المحوري الذي تضطلع به مديرية الأمن العمومي في تدبير وتنسيق العمل الأمني العمومي على المستوى الوطني.
لكن، مهما اتسعت دائرة المسؤولية، ستظل طنجة واحدة من أبرز المحطات في مساره.
فهنا، بين شوارع المدينة ومصالحها الأمنية وملفاتها اليومية، تشكل جانب كبير من تجربته القيادية، وهنا أيضاً ارتبط اسمه بمرحلة من العمل الأمني تركت انطباعاً لدى كثير من أبناء المدينة.
ولعل أكثر ما يعكس حجم هذا الارتباط هو ما رافق خبر مغادرته من تفاعل واسع على منصات التواصل الاجتماعي، خصوصاً في فيسبوك، حيث توالت منشورات أبناء طنجة التي حملت كلمات مؤثرة في حق الرجل، ورسائل شكر ووداع، تعكس مكانته لدى فئة واسعة من سكان المدينة.
لم تكن تلك المنشورات مجرد تعليقات عابرة على خبر تعيين مسؤول أمني في منصب جديد، بل بدت في كثير منها وكأنها رسائل وداع لرجل ارتبط اسمه بمدينة بأكملها.
كلمات من طنجة إلى رجل أمن عاش تفاصيلها لسنوات، وترك فيها بصمته قبل أن يغادرها إلى مهمة وطنية جديدة.
وربما لهذا السبب، فإن عبد الكبير فرح، مهما تغيرت المناصب وتبدلت المسؤوليات، لن تنساه مدينة طنجة بسهولة.
فبعض المسؤولين يغادرون مواقعهم، لكنهم يتركون وراءهم أثراً في ذاكرة المدن التي خدموا فيها.
وعبد الكبير فرح يغادر طنجة اليوم حاملاً مسؤولية جديدة، لكن طنجة، في المقابل، تحتفظ بصورة رجل أمن ارتبط اسمه بسنوات من العمل الميداني، وبمرحلة أمنية تركت بصمتها في المدينة.
من طنجة بدأ فصل مهم من مساره، ومن الرباط يبدأ اليوم فصل أكبر. وبين المحطتين، يبقى اسم عبد الكبير فرح واحداً من الأسماء التي صنعت لنفسها مكاناً في ذاكرة الأمن والمدينة معاً.



