لم يحتج حزب الديمقراطيين الجدد بطنجة إلى خصم سياسي يضعه في قلب الجدل خلال الحملة الانتخابية؛ فقد تكفل وصيف لائحته بدائرة طنجة–أصيلة، زهير لوكيلي، بالمهمة، بعدما اختار نشر تدوينة استحضر فيها مفردات «العبد» و«السيد» و«السلاسل» في حديث عن التصويت والديمقراطية.
لوكيلي كتب أن «العبد سيصوت لسيده مهما كان فاسداً»، قبل أن يضيف أن «اليوم تغيرت السلاسل فقط»، وهي عبارة قد تمر باعتبارها تأملاً سياسياً لو صدرت خارج زمن الانتخابات، لكنها تكتسب معنى مختلفاً عندما تصدر عن مرشح يوجد داخل لائحة تطلب أصوات المواطنين.
ففي السياسة، التوقيت لا يقل أهمية عن الكلمات.
والتدوينة جاءت في لحظة يخوض فيها حزب الديمقراطيين الجدد سباقاً انتخابياً بدائرة تعرف منافسة بين أحزاب ومرشحين يملكون حضوراً تنظيمياً وانتخابياً متفاوتاً، فيما يحاول الحزب نفسه إيجاد مساحة داخل مشهد لا يحتل فيه موقعاً متقدماً.
لهذا، فإن الحديث من داخل هذه الوضعية عن «العبيد» و«السادة» يطرح مفارقة يصعب تجاهلها.
فالحزب الذي لم يتحول بعد إلى قوة انتخابية بارزة في طنجة، يبدو اليوم وكأنه مطالب أولاً بإقناع الناخبين بأنه يستحق أصواتهم، قبل أن ينشغل بتفسير دوافع تصويتهم للآخرين.
وهنا تحديداً يصبح منشور وصيف عمر العباس مثيراً للإحراج أكثر من كونه مثيراً للجدل.
فمن يقصد بـ«السيد»؟ ومن هو «العبد»؟ وهل المقصود ناخبون يصوتون لأحزاب منافسة؟ أم أن الأمر يتعلق بتوصيف عام لظواهر انتخابية معينة؟
هذا الغموض هو ما فتح الباب أمام قراءة سياسية قاسية: هل بدأ بعض مرشحي الديمقراطيين الجدد، قبل فتح صناديق الاقتراع، في صناعة تفسير مسبق لاحتمال عدم حصولهم على ثقة جزء من الناخبين؟
فبدلاً من أن يكون السؤال: لماذا لم نقنع المواطن؟ يصبح السؤال: من يتحكم في المواطن؟
والفرق بين السؤالين كبير.
الأول يضع المرشح أمام مسؤوليته السياسية، ويدفعه إلى مراجعة خطابه وحضوره وبرنامجه.
أما الثاني، فينقل المسؤولية إلى الناخب نفسه، ويوحي بأن اختياره قد يكون رهينة «سلاسل» أو تبعية أو خضوع.
والمفارقة أن هذا الخطاب يصدر عن وصيف لائحة يقودها عمر العباس، في وقت يسعى فيه الحزب إلى تقديم نفسه كخيار سياسي مختلف عن الأحزاب التقليدية.
لكن الاختلاف السياسي لا يُبنى بالمفردات الثقيلة، ولا باستعارة قاموس «العبودية» لتفسير سلوك انتخابي معاصر، بل بقدرة الحزب على إنتاج خطاب وبرنامج وحضور يجعل المواطن ينظر إليه باعتباره منافساً جدياً.
وهنا قد تكون التدوينة قد كشفت، من حيث لا يدري صاحبها، مشكلة أعمق.
فالأحزاب الكبيرة عادة تنشغل بكيفية توسيع قواعدها.
أما الأحزاب التي ما تزال تبحث عن موطئ قدم، فإن أخطر ما يمكن أن تقع فيه هو أن تتحدث إلى الناخب بمنطق يوحي بأنها تعرف حقيقة اختياره أكثر منه.
ذلك أن المواطن الذي لا يصوت لحزب الديمقراطيين الجدد لا يحتاج إلى تفسير نفسي أو تاريخي لاختياره، كما لا يحتاج إلى من يخبره بأن «السلاسل تغيرت».
قد يكون الأمر أبسط من ذلك بكثير: ربما لم يقتنع بالحزب، ولا بمرشحيه، ولا بخطابه.
وهذه فرضية سياسية لا تقل شرعية عن أي تفسير آخر.
أما استدعاء نموذج «العبد الذي يصوت لسيده» في سياق حملة انتخابية، فيمنح المنافسين هدية مجانية، ويضع الحزب أمام سؤال كان في غنى عنه: هل يريد الديمقراطيون الجدد كسب الناخبين أم شرحهم؟
فالمرشح المتمكن يحاول أن يرفع من قيمة عرضه السياسي.
أما المرشح الذي يدخل في تصنيف سلوك الآخرين قبل معرفة حجم رصيده الحقيقي في الصناديق، فقد يبدو كمن تجاوز مرحلة الإقناع وقفز مباشرة إلى مرحلة تبرير النتيجة.
ومن حق زهير لوكيلي بالطبع أن يوضح أن المنشور لا يستهدف الناخبين ولا المنافسين، وأنه مجرد استحضار تاريخي أو موقف عام.
لكن خلال الحملات الانتخابية، المرشح لا يُقرأ فقط بما يقصده، وإنما أيضاً بما توحي به كلماته في سياقها.
ولهذا، فإن العبارة التي ربما أراد صاحبها أن تبدو عميقة، انتهت إلى وضع لائحته أمام حرج سياسي غير ضروري.
وبدل أن تفرض اسم حزب الديمقراطيين الجدد باعتباره قوة صاعدة في النقاش الانتخابي بطنجة، أعادت التدوينة طرح سؤال أكثر بساطة:
هل يملك الحزب ما يكفي من القوة السياسية لإقناع الناخب، أم أنه بدأ مبكراً في البحث عن تفسير لعدم اقتناع الناخب به؟



