قلبت صناديق الاقتراع بدائرة طنجة–أصيلة توازنات سياسية ظلت قائمة منذ انتخابات 2021، وأعادت رسم خريطة النفوذ الحزبي بصورة أكثر حدة مما توحي به مجرد أرقام الترتيب، بعدما دفعت بأحزاب كانت تمسك بمقاعد الدائرة إلى مواقع متأخرة، وفتحت الطريق أمام قوى أخرى للعودة أو التقدم إلى قلب المنافسة.
وبعد فرز نحو 90 في المائة من مكاتب التصويت، ظهر حزب العدالة والتنمية في صدارة النتائج بنسبة 31,49 في المائة، تاركاً خلفه الأصالة والمعاصرة بـ16,65 في المائة، والحركة الشعبية بـ14,61 في المائة، ثم الاستقلال بـ9,42 في المائة، والتجمع الوطني للأحرار بـ8,76 في المائة.
لكن الرقم الأكثر دلالة لا يتعلق فقط بمن تصدر، بل بمن خسر الأرض التي كان يقف عليها قبل خمس سنوات.
فالخريطة التي أفرزتها انتخابات 2021 تكاد تكون قد تفككت بالكامل. آنذاك، تقاسمت خمسة أحزاب المقاعد الخمسة للدائرة، وكان الاتحاد الدستوري في مقدمتها بـ22 ألفا و816 صوتا، يليه الاستقلال، ثم الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاتحاد الاشتراكي.
اليوم، تبدو الصورة مختلفة جذرياً.
الاتحاد الدستوري، الذي خرج من انتخابات 2021 باعتباره القوة الأولى في طنجة–أصيلة، انحدر في النتائج المؤقتة إلى 1,26 في المائة فقط، في واحد من أكثر التحولات الانتخابية قسوة داخل الدائرة.
والمفارقة أن محمد الزموري، الذي قاد الحزب إلى صدارة نتائج 2021، لم يخض هذه الانتخابات تحت رايته، بل انتقل إلى الحركة الشعبية، التي وجدت نفسها في المركز الثالث بنسبة 14,61 في المائة.
وبذلك لم يخسر الاتحاد الدستوري مجرد ترتيب متقدم، بل فقد الجزء الأكبر من الموقع الانتخابي الذي منحه قبل خمس سنوات مقعداً وصدارة محلية.
الاتحاد الاشتراكي بدوره تلقى ضربة واضحة.
الحزب الذي كان جزءاً من الخماسية البرلمانية سنة 2021 بعد حصوله على 11 ألفا و323 صوتا، تراجع إلى 3,97 في المائة فقط، ليستقر في المركز السابع، حتى خلف تحالف اليسار الذي سجل 4,53 في المائة.
بهذه النتيجة، انتقل الاتحاد الاشتراكي من حزب ممثل برلمانياً عن الدائرة إلى موقع بعيد عن دائرة الخمسة الأوائل.
أما التجمع الوطني للأحرار، فلم يخرج من المشهد، لكنه خرج أضعف مما دخل إليه.
فالحزب الذي امتلك أكثر من 20 ألف صوت في انتخابات 2021 وانتزع أحد مقاعد طنجة–أصيلة، وجد نفسه هذه المرة في المركز الخامس بنسبة 8,76 في المائة.
وخاض الأحرار الاستحقاق بقيادة عبد الواحد بولعيش بدلاً من عمر مورو، لكن تغيير وكيل اللائحة لم يمنع الحزب من فقدان جزء مهم من وزنه السابق داخل الدائرة، في وقت تقدمت فيه قوى كانت خارج معادلة المقاعد سنة 2021.
حزب الاستقلال حافظ هو الآخر على وجوده بين الخمسة الأوائل، لكنه فقد مركزاً مهماً في سلم القوة الانتخابية.
فبعد احتلاله المركز الثاني سنة 2021 بـ21 ألفا و215 صوتا، تراجع في النتائج الحالية إلى المرتبة الرابعة بنسبة 9,42 في المائة.
وحده الأصالة والمعاصرة بدا أكثر قدرة على مقاومة موجة التراجع التي ضربت بقية مكونات خماسية 2021، بعدما انتقل من المركز الثالث بـ20 ألفا و121 صوتا إلى المركز الثاني بنسبة 16,65 في المائة.
وفي الطرف المقابل، صنع العدالة والتنمية واحدة من أبرز التحولات في الاقتراع.
فالحزب الذي غادر انتخابات 2021 دون مقعد واحد عن طنجة–أصيلة، عاد في 2026 ليقف في صدارة النتائج المؤقتة بنسبة 31,49 في المائة، محققاً انتقالاً مباشراً من خارج التمثيلية البرلمانية للدائرة إلى رأس ترتيبها الانتخابي.
كما فرضت الحركة الشعبية نفسها ضمن معادلة جديدة لم تكن حاضرة بالشكل نفسه قبل خمس سنوات، بعدما صعدت إلى المرتبة الثالثة.
ما وقع في طنجة–أصيلة، وفق هذه النتائج المؤقتة، يتجاوز إذن مجرد تبادل مواقع بين الأحزاب.
إنه انهيار لجزء كبير من التوازن الذي أنتجته انتخابات 2021، حين توزعت الدائرة بين خمس قوى متقاربة، مقابل خريطة جديدة يظهر فيها فارق واسع بين المتصدر وعدد من مطارديه، وتتراجع فيها أسماء حزبية كانت إلى وقت قريب جزءاً من التمثيل البرلماني المحلي.
والرسالة الأوضح التي تحملها الأرقام هي أن الاحتفاظ بالمقعد أو بالوجود ضمن المراتب الأولى لا يعني بالضرورة الحفاظ على القوة الانتخابية نفسها.
فبعض الأحزاب خرجت تماماً من واجهة المنافسة، وأخرى بقيت فيها، لكن برصيد أقل وحضور أضعف مما كانت عليه قبل خمس سنوات.
وبلغت نسبة المشاركة في دائرة طنجة–أصيلة 25,51 في المائة، بينما تظل هذه القراءة مرتبطة بنتائج مؤقتة مبنية على فرز نحو 90 في المائة من مكاتب التصويت، في انتظار استكمال الفرز وتثبيت النتائج النهائية.



