صفقات بملايين السنتيمات، ومقاولات محلية تثير تساؤلات بشأن شروط المنافسة، ومستثمرون يشتكون من عراقيل إدارية، ومدير عام لاحقته انتقادات بسبب الغياب عن مكتبه وعن موعد دولي للترويج للاستثمار. إنها ملفات متفرقة في ظاهرها، لكنها تلتقي عند سؤال واحد: هل يشتغل المركز الجهوي للاستثمار بطنجة وفق أولويات المستثمرين، أم أن طريقة تدبيره أصبحت بدورها موضوعاً يستدعي المساءلة؟
لم تعد الانتقادات التي تلاحق المركز الجهوي للاستثمار بجهة طنجة–تطوان–الحسيمة مرتبطة فقط ببطء المساطر أو صعوبة الحصول على التراخيص، بل أخذت منحى أكثر حساسية مع ظهور معطيات صحفية حول صفقات التواصل وتنظيم التظاهرات، وطريقة تدبير الموارد البشرية، فضلاً عن الجدل الذي رافق حضور المدير العام ياسين التازي ومواكبته لبعض الأنشطة المرتبطة باستقطاب الاستثمارات.
وإذا كان من السهل على أي إدارة أن ترد على شكايات المستثمرين بالحديث عن تعقيد المساطر وتعدد المتدخلين، فإن الأسئلة المتعلقة بكيفية تدبير الصفقات العمومية، واختيار الأولويات، وتوزيع المسؤوليات داخل المؤسسة، تبدو أكثر ارتباطاً بالقرارات الإدارية التي تقع ضمن نطاق تدبيرها المباشر.
ففي الثاني من أبريل 2026، فجّر موقع محلي هنا بمدينة طنجة، جدلاً بشأن طلب عروض يتعلق بخدمات التواصل والطباعة، أطلقه المركز الجهوي للاستثمار بطنجة، بعدما أورد معطيات عن فوز مقاولة تنتمي إلى جهة فاس–مكناس بصفقة تقدر قيمتها بنحو 70 مليون سنتيم. ولم تكن الجهة الجغرافية للمقاولة الفائزة، في حد ذاتها، دليلاً على أي مخالفة، غير أن ما أثار الانتباه هو حديث المصدر عن استفادة الشركة نفسها من صفقة سابقة لتنظيم اليوم الوطني للجالية، بقيمة تقارب 46 مليون سنتيم.
وتطرح هذه الوقائع، إذا تأكدت تفاصيلها من وثائق الصفقات ومحاضر تقييم العروض، إشكالاً يتجاوز هوية المقاولة الفائزة إلى طبيعة المنافسة التي عرفتها الطلبات العمومية للمركز. فهل حُددت المعايير التقنية والمالية بما يسمح بمشاركة فعلية لمختلف المقاولات المؤهلة؟ وما عدد العروض التي جرى التوصل بها؟ وعلى أي أساس حُسم الاختيار؟
وتزداد أهمية هذه الأسئلة بالنظر لشروط التنقيط الواردة في ملف صفقة التواصل، إذ منح 20 نقطة لمدير مشروع حاصل على شهادة الماستر ويتمتع بخبرة تفوق خمس سنوات، مقابل صفر نقطة لمن تقل خبرته عن سنتين. وهي شروط تستوجب فحص علاقتها بطبيعة الخدمات المطلوبة ومدى تناسبها مع إمكانات المقاولات الناشئة، دون اعتبارها تلقائياً دليلاً على إقصاء غير قانوني أو تفصيل مسبق للصفقة على مقاس جهة بعينها.
والمفارقة أن مؤسسة يفترض أن تساهم في تشجيع المقاولة وتحسين بيئة الأعمال تجد نفسها موضوع تساؤلات حول مدى انفتاح طلباتها العمومية على النسيج المقاولاتي المحلي. وليس المطلوب منح امتياز غير قانوني لمقاولات الشمال على حساب غيرها، وإنما ضمان منافسة شفافة لا تتحول فيها الشروط التقنية إلى عوائق غير متناسبة مع طبيعة الخدمات موضوع التعاقد.
وفي ملف آخر، أعادت تقارير منشورة يومي 16 و23 يونيو 2026 فتح النقاش بشأن كلفة تنظيم لقاء للمركز بفندق «فرح» بمدينة طنجة، بمناسبة اليوم الوطني للمهاجر، حيث تحدثت عن غلاف مالي يقارب 46 مليون سنتيم، مقابل حصيلة استثمارية لم تتضح تفاصيلها للرأي العام. وذهبت بعض هذه التغطيات إلى التشكيك في حجم مشاركة مغاربة العالم مقارنة بحضور ممثلي الإدارات والهيئات الاقتصادية.
لكن ما يستحق التوقف عنده ليس المبلغ وحده، بل طبيعة النتائج التي يفترض أن تبرر إنفاقه. فإذا كانت اللقاءات الموجهة إلى مغاربة العالم تروم إقناعهم باستثمار أموالهم في الجهة، فإن تقييم نجاحها لا ينبغي أن يتوقف عند عدد المشاركين أو طبيعة الفضاء الذي احتضنها، بل يفترض أن يمتد إلى المشاريع التي خرجت من تلك اللقاءات، وحجم الاستثمارات التي انطلقت فعلياً، والملفات التي تمكن المركز من مواكبتها حتى تجاوز العراقيل.
وهنا تحديداً تبرز المفارقة الأكثر إحراجاً: ففي الوقت الذي تُرصد فيه مبالغ مالية للترويج للاستثمار واستقطاب حاملي المشاريع، وصلت شكايات تتعلق بتعثر مشاريع استثمارية إلى البرلمان، وسط انتقادات لطريقة اشتغال المنظومة الإدارية المكلفة بالمواكبة.
فبتاريخ 2 يونيو 2026، نقلت انتقادات وجهتها البرلمانية مليكة لحيان بشأن تعثر استثمارات مغاربة العالم بجهة الشمال، وما يرافقها من صعوبات مرتبطة بالعقار والتمويل والتواصل مع المؤسسات المعنية. وهي انتقادات تعيد طرح سؤال الفارق بين الجهود المبذولة لاستقطاب المستثمر وبين قدرة الإدارة على مواكبته بعد اتخاذ قرار الاستثمار.
غير أن الجدل لم يتوقف عند الصفقات والملفات الاستثمارية، بل امتد إلى أسلوب الإدارة الداخلية للمركز منذ تولي ياسين التازي مسؤولية تسييره.
ففي 6 فبراير 2025، نشرت معطيات بشأن قرار نُسب إلى المدير العام، يتعلق بمطالبة ممثلي مصالح خارجية بمغادرة المكاتب التي كانوا يشغلونها داخل فضاء الشباك الوحيد بالمركز، ومن بينهم ممثلون عن وزارة المالية وغرفة التجارة والصناعة والخدمات وجماعة طنجة. وأثار القرار، وفق المصدر نفسه، استياءً وتساؤلات بشأن انعكاساته على الخدمات التي كانت تقدم للمرتفقين.
وتستحق هذه الواقعة إعادة الفحص من زاوية نتائجها العملية: هل أسهمت إعادة تنظيم الفضاء في تسريع الخدمات وتسهيل الإجراءات، أم ترتبت عنها صعوبات إضافية في التنسيق بين المتدخلين؟ وهل جرى تقييم آثار هذا التغيير على المستثمرين والمقاولات المستفيدة من الشباك الوحيد؟
بعد يومين فقط، وتحديداً في 8 فبراير 2025، نشرت هسبريس معطيات منسوبة إلى مصادرها بشأن غياب متكرر للمدير العام عن مكتبه وبطء التعاطي مع بعض الملفات الاستثمارية. وتحدثت الصحيفة عن واقعة تتعلق بوفد من رجال الأعمال الأجانب، كان يرغب في مقابلة المدير، قبل أن يُحدد له موعد بعد عشرة أيام، وهو ما دفع المستثمر المغربي المرافق للوفد، وفق الرواية المنشورة، إلى التوجه نحو والي الجهة يونس التازي.
ولم تكن هذه الاتهامات محل إقرار من المدير العام؛ إذ نفى ياسين التازي، في تصريح مباشر لهسبريس، صحة الأخبار المتداولة بشأن غيابه المتكرر، مؤكداً أنه يحضر إلى مقر عمله بشكل يومي، وأن بعض أيام عمله تمتد إلى ساعات متأخرة، كما شدد على وجود تعاون وانسجام مع والي الجهة.
غير أن قضية الحضور عادت إلى الواجهة بعد أيام، وهذه المرة على خلفية نشاط اقتصادي خارج المغرب، فقد غاب ياسين التازي عن بعثة مرتبطة بالترويج للاستثمار خلال معرض IMEX بالعاصمة الإسبانية مدريد، الذي انعقد يومي 19 و20 فبراير. وأوضح المدير العام للصحيفة أن عدم مشاركته يعود إلى التزامات مهنية متزامنة، وأن المركز أوفد تمثيلية للمشاركة في التظاهرة.
وبين اتهامات الغياب التي نفاها المدير العام، وعدم مشاركته في معرض مدريد الذي قدم بشأنه توضيحاً، لا تتوفر معطيات موثقة تسمح بالجزم بوجود إخلال بواجبات الحضور. لكن تكرار إثارة الموضوع إعلامياً يضع أسلوب التواصل الإداري وتحديد الأولويات المهنية أمام مساءلة مشروعة، خصوصاً داخل مؤسسة ترتبط مهامها مباشرة باستقبال المستثمرين وتمثيل الجهة في المحافل الاقتصادية.
ولا يقل ملف التوظيف حساسية عن هذه الملفات، إذ نشرفي 11 فبراير 2025 معطيات عن جدل رافق مباراة لشغل منصب داخل المركز، وأوردت تساؤلات بشأن الشروط المعتمدة وظروف إجراء المقابلة الشفوية أمام لجنة داخلية بحضور المدير العام. غير أن هذه المعطيات، في غياب وثائق رسمية أو نتائج تحقيق منشورة تثبت حصول تلاعب، تظل مثار تساؤل صحفي لا يجوز تحويله إلى اتهام محسوم.
وعند جمع هذه الوقائع، لا يتعلق الأمر بإثبات وجود مخالفة جامعة بينها، بل بملاحظة أن عدداً من القرارات والممارسات المرتبطة بتدبير المركز تحول، في فترات متقاربة، إلى موضوع انتقادات علنية: من إعادة تنظيم الشباك الوحيد، إلى التوظيف، مروراً بمواعيد استقبال المستثمرين، وصولاً إلى صفقات الخدمات والتواصل.
وهو ما يفرض على الإدارة تقديم أجوبة تتجاوز البيانات العامة عن الدينامية الاستثمارية، خصوصاً بعدما أثارت النائبة البرلمانية سلوى البردعي، في سؤال كتابي رقم 24618، اتهامات بشأن تجميد مشاريع استثمارية بقرارات إدارية مفاجئة، وأشارت إلى معطيات متداولة حول تحويل مستثمرين وجهتهم نحو بلدان أخرى، من بينها مصر، فضلاً عن الإشارة إلى شركة «سيمنس» الألمانية ومستثمرين في قطاعات السياحة والفندقة. ولم تتضمن صفحة السؤال المنشورة بموقع مجلس النواب جواباً حكومياً عند الاطلاع عليها.
فالمسؤولية في مجال الاستثمار ليست دائماً مسؤولية مؤسسة واحدة، لكن تعدد المتدخلين لا ينبغي أن يتحول إلى سبب لضياع المسؤولية بين الإدارات، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمشاريع اقتصادية مرتبطة بالتشغيل والتنمية.
وفي مقابل هذه الانتقادات، يواصل المركز الجهوي للاستثمار تنظيم أنشطة لجذب الرساميل، من بينها القافلة الجهوية لفائدة مغاربة العالم التي أطلقت من طنجة يوم 10 غشت 2026. وهي مبادرة تندرج ضمن اختصاصاته، لكنها تعيد طرح ضرورة الربط بين المجهود الترويجي والنتائج الفعلية، وبين الإنفاق على التواصل والقدرة على تسوية الصعوبات التي يواجهها المستثمرون.
إن القضية، في جوهرها، ليست معارضة تنظيم التظاهرات أو التشكيك في كل صفقة تفوز بها مقاولة من خارج الجهة، كما أنها ليست اعتبار غياب مسؤول عن نشاط معين دليلاً على تقصيره في أداء مهامه. القضية تتعلق بمدى استعداد مؤسسة عمومية لفتح ملفات تدبيرها أمام المساءلة، وتقديم الوثائق والأرقام التي تتيح التمييز بين قرارات إدارية سليمة وانتقادات قد تكون مؤسسة على وقائع تستدعي التصحيح.
وتبدو الحاجة ملحة، في هذا السياق، إلى توضيح معايير إسناد صفقات التواصل، والكشف عن نتائج الأنشطة الموجهة إلى المستثمرين، وتقديم حصيلة دقيقة للملفات المتعثرة، فضلاً عن تفسير القرارات التنظيمية التي أثارت الجدل داخل المركز.
أما المدير العام ياسين التازي، فإن موقعه على رأس المؤسسة يجعله معنياً بتوضيح الاختيارات التدبيرية الواقعة ضمن صلاحياته، دون أن يعني ذلك تحميله شخصياً مسؤولية كل قرار تتخذه اللجان أو الإدارات الشريكة.
وبينما تستعد جهة طنجة–تطوان–الحسيمة لمواجهة تحديات اقتصادية وتنموية متزايدة، تبدو المساءلة حول نجاعة المركز الجهوي للاستثمار أبعد من مجرد سجال إعلامي، لأنها تمس قدرة المؤسسات العمومية على ترسيخ الثقة لدى المستثمرين وضمان تكافؤ الفرص وحسن توظيف الموارد.
فحين تصبح صفقات التواصل، وتدبير الموارد البشرية، وحضور المدير، وتعثر المشاريع موضوع انتقادات متكررة، لا يعود السؤال مقتصراً على صحة كل واقعة بمعزل عن الأخرى، بل يمتد إلى سؤال أكبر: من يراقب جودة التدبير داخل المؤسسة المكلفة أصلاً بتحسين مناخ الاستثمار، ومتى تقدم الإدارة أجوبة موثقة عن الملفات التي أثارت هذا القدر من الجدل؟



