في طنجة، حيث أصبحت القرارات العمرانية قادرة على تغيير القيمة المالية للأراضي وتحديد مستقبل مشاريع بملايين الدراهم، تتصاعد التساؤلات بشأن طريقة تدبير الوكالة الحضرية لملفات التعمير، في ظل قضايا أثارت اعتراضات السكان وانتقادات المنتخبين، ووضعت شفافية التراخيص وتصاميم التهيئة أمام اختبار حقيقي. وبين مشاريع عقارية تحيط بها الخلافات، ووثائق عمرانية تثير مئات التعرضات، تجد مديرة الوكالة الحضرية، محاسن بركة، نفسها في قلب نقاش يتجاوز التدبير الإداري إلى مسؤولية المؤسسة عن القرارات التي ترسم مستقبل المدينة وتؤثر في مصالح سكانها ومستثمريها.
ولا تكمن حساسية هذه الملفات في طبيعة المشاريع موضوع الجدل فحسب، وإنما في الصلاحيات التي تمارسها المؤسسة داخل منظومة التعمير، باعتبارها أحد المتدخلين الأساسيين في إعداد وثائق التخطيط ودراسة ملفات البناء. فالقرار الذي قد يبدو إجراء تقنياً عادياً داخل الإدارة، يمكن أن يتحول خارج أسوارها إلى مكسب عقاري كبير، أو إلى قيد يحد من استغلال ملكية خاصة، أو إلى مصدر نزاع يمتد لسنوات بين السكان وأصحاب المشاريع والجهات المكلفة بالترخيص.
ومنذ تعيين محاسن بركة مديرة للوكالة الحضرية لطنجة، في فاتح فبراير 2024، برزت ملفات وضعت تدبير المؤسسة تحت أنظار الرأي العام المحلي، وأعادت طرح إشكالية التوفيق بين تشجيع الاستثمار واحترام قواعد التعمير وضمان المساواة في التعامل مع الملفات. وإذا كانت المسؤولية القانونية عن القرارات العمرانية موزعة بين عدة جهات، فإن ذلك لا يحجب مسؤولية إدارة الوكالة عن توضيح الآراء والقرارات الصادرة عنها، ولا عن تقديم حصيلة قابلة للتقييم بشأن حكامة القطاع خلال فترة تدبيرها.
ولعل قضية ملعب البادل بمنطقة بوبانة تكشف بصورة ملموسة طبيعة الإشكالات التي باتت تلاحق منظومة الترخيص بطنجة. فقد تحول المشروع المقام داخل تجزئة «لابرييري روز 2» إلى موضوع نزاع بعدما اعترض سكان على استغلال مساحة يقولون إنها كانت مخصصة لألعاب الأطفال، في وقت كشفت فيه تقارير صحفية عن وجود مراسلات ومحاضر إدارية سبقت إصدار رخصة البناء.
وتعود إحدى المحطات الأساسية في الملف إلى 10 أكتوبر 2024، حين عاينت لجنة مختلطة المشروع، وخلصت، وفق جواب رسمي للوكالة الحضرية نقلته وسائل إعلام، إلى أن المنشأة أُنجزت واستُغلت دون الحصول على ترخيص قانوني مسبق، مع الدعوة إلى وقف النشاط إلى حين تسوية الوضعية القانونية واستكمال الوثائق المطلوبة.
غير أن القضية أخذت منحى أكثر إثارة للجدل بعد صدور رخصة تحمل رقم GUctgr-0153/2025، بتاريخ 9 يوليوز 2025، لفائدة المشروع الذي كان قائماً قبل تاريخ الترخيص، بحسب المعطيات المنشورة. وأفادت تقارير لاحقة بأن مسطرة الترخيص شملت توقيعات الجهات المعنية، من بينها الوكالة الحضرية، فيما نسب تقرير صحفي إلى مديرة المؤسسة محاسن بركة توقيعاً مرتبطاً بالملف، رغم وجود ملاحظات سابقة بشأن وضعيته القانونية.
هنا لا يتعلق السؤال بوجود رخصة إدارية من عدمه، بل بالأساس القانوني الذي سمح بالانتقال من معاينة منشأة غير مرخصة إلى إصدار ترخيص يتعلق بالمشروع نفسه. فإذا كانت الوضعية قد سُويت وفق المساطر الجاري بها العمل، فما الوثائق التي استند إليها القرار؟ وهل تم تجاوز المخالفات المسجلة سابقاً بطريقة قانونية؟ وما حدود مسؤولية كل جهة شاركت في دراسة الطلب والتأشير عليه؟
وتزداد الحاجة إلى توضيح هذه المسألة بعدما أفادت تقارير منشورة في 17 نونبر 2025 بأن الوكالة الحضرية رفضت المصادقة على طلب شهادة المطابقة المرتبط بالمنشأة. وهو تطور يجعل من الضروري الوقوف على أسباب هذا الرفض، وعلاقته بالوضعية التي كانت قائمة عند إصدار الترخيص، ومدى مطابقة الأشغال المنجزة للوثائق المصادق عليها.
ومع أن هذه المعطيات لا تكفي لإثبات ارتكاب مديرة الوكالة أو أي مسؤول آخر مخالفة قانونية، فإنها تكشف عن ملف يستحق افتحاص تسلسل قراراته، لا سيما أن تعدد المتدخلين فيه قد يجعل تحديد المسؤوليات أكثر تعقيداً. فصدور قرار عن لجنة أو موافقة مشتركة لا يعفي كل جهة من توضيح الأساس الذي بنت عليه موقفها، خاصة عندما يتعلق الأمر بمنشأة سبقت إقامتها استكمال مسطرة الترخيص.
وليس هذا الملف سوى أحد أوجه النقاش الدائر حول تدبير التعمير بطنجة، إذ يبدو أن الإشكال الأوسع يرتبط بالوثائق التي تتحكم أصلاً في إمكانيات البناء واستعمال الأراضي، وفي مقدمتها مشروع تصميم تهيئة مقاطعة طنجة المدينة.
فخلال أبريل 2026، كشفت المعطيات المقدمة أثناء مناقشة المشروع عن تسجيل 1497 ملاحظة في إطار البحث العمومي، وهو رقم يعكس حجم المصالح المتأثرة بالوثيقة وتعدد الاعتراضات والمطالب المرتبطة بها. كما أظهرت معطيات منشورة أن العقارات التي تتجاوز مساحتها خمسة آلاف متر مربع استحوذت على نحو 36 في المائة من مجموع التعرضات، ما يبرز الوزن الذي تحتله الملكيات العقارية الكبرى في النقاش حول مستقبل التهيئة.
ولا يشكل تسجيل هذه الملاحظات دليلاً على وجود خروقات في إعداد التصميم، لكنه يطرح سؤالاً أساسياً حول كيفية دراستها، والمعايير المعتمدة في قبول بعضها أو رفضها، ومدى انعكاسها على النسخة النهائية للوثيقة.
فحين يتعلق الأمر بتصنيف الأراضي، تصبح القرارات الإدارية ذات انعكاسات مالية مباشرة. إذ إن تخصيص قطعة أرضية للبناء السكني أو التجاري، أو إدراجها ضمن المجالات الخضراء والمرافق العمومية، قد يغير بصورة جذرية إمكانيات استغلالها وقيمتها العقارية. ومن ثم فإن شفافية هذه الاختيارات لا يمكن أن تظل محصورة في اجتماعات تقنية مغلقة، خصوصاً عندما تثير خلافات بين ملاك الأراضي والمنتخبين والجهات المشرفة على التخطيط.
وقد برز هذا التوتر بوضوح خلال الدورة الاستثنائية لمجلس جماعة طنجة، المنعقدة في 6 أبريل 2026، والتي خصصت لمناقشة مشروع تصميم تهيئة مقاطعة طنجة المدينة، بعدما أثار غياب مديرة الوكالة الحضرية محاسن بركة انتقادات علنية داخل المجلس.
ووفق ما نشرته وسائل إعلام، وجهت المستشارة الجماعية والبرلمانية سلوى الدمناتي انتقادات إلى غياب المسؤولة الأولى عن المؤسسة، معتبرة أن أهمية الوثيقة المطروحة للنقاش كانت تستدعي حضوراً مباشراً للمسؤولين المعنيين. كما انتقد مستشارون آخرون مستوى التفاعل مع الملاحظات والتعرضات المقدمة بشأن المشروع.
وإذا كان غياب مديرة مؤسسة عمومية عن اجتماع معين لا يشكل في حد ذاته مخالفة قانونية، فإن دلالته الإدارية والسياسية تتعاظم عندما يتعلق الأمر بملف تتقاطع فيه حقوق الملكية ومصالح الاستثمار والتخطيط المستقبلي للمدينة. فالمؤسسة التي تشارك في إعداد وثيقة بهذا الحجم مطالبة بتفسير اختياراتها، ومواجهة الأسئلة المتعلقة بمضامينها، وتوضيح مدى استجابتها للاعتراضات التي تقدم بها المعنيون.
وقد تجاوزت الانتقادات واقعة الغياب نفسها، لتشمل ما اعتبره فاعلون محليون ضعفاً في التواصل الميداني خلال مرحلة تدبير محاسن بركة، وسط مطالب بإرساء علاقة أكثر انفتاحاً بين الوكالة والمجالس المنتخبة والسكان والمهنيين. وهي انتقادات نشرتها منابر محلية في أبريل 2026، لكنها تظل مواقف تستدعي مقابلتها بتوضيحات المؤسسة ومؤشرات أدائها الفعلية.
وتطرح هذه التطورات إشكالية أعمق من مجرد التواصل؛ تتعلق بمدى قدرة المواطنين على معرفة الأسباب الحقيقية التي تتحكم في القرارات العمرانية، خصوصاً حين تكون النتائج مختلفة بين ملفات تبدو متقاربة من حيث طبيعتها أو شروطها التقنية. فغياب التفسير المفصل لا يثبت وجود محاباة، لكنه يضعف إمكانية التحقق من موضوعية القرارات، ويفتح المجال أمام الشكوك والتأويلات.
ويمتد هذا النقاش إلى إقليم الفحص أنجرة، حيث أثارت المصادقة على تصميم تهيئة الشريط الساحلي لجماعتي القصر المجاز وتغرامت نقاشاً بشأن مآل تعرضات السكان والمنتخبين. فقد صودق على التصميم بموجب المرسوم رقم 2.25.781 الصادر في 29 أكتوبر 2025، وهو يغطي مساحة تناهز 4005 هكتارات بمحاذاة المجال المرتبط بمركب طنجة المتوسط.
وقد قدمت الوكالة الحضرية الوثيقة باعتبارها رافعة لتنظيم المجال وتعزيز الأنشطة الاقتصادية واللوجستيكية والسياحية، مشيرة إلى أن مسطرة إعدادها شملت البحث العمومي ودراسة التعرضات داخل اللجان المختصة خلال يوليوز 2025. في المقابل، أثارت تقارير صحفية تحفظات بشأن عدم تقديم أجوبة تفصيلية عن الاعتراضات والقرارات التي اتخذت في شأنها.
والواقع أن اعتماد تصميم عمراني يستهدف تحقيق المنفعة العامة لا يلغي الحاجة إلى توضيح أثره على الملكيات الخاصة والمجالات السكنية القائمة، ولا يعفي الجهات المعنية من بيان كيفية الموازنة بين الحاجيات الاقتصادية وحقوق السكان. فالحديث عن تشجيع الاستثمار وتنظيم المجال لا يمكن أن يكون بديلاً عن تفسير الخيارات التي قد تحد من استعمال بعض العقارات، أو تغير وجهتها، أو تفرض قيوداً جديدة على أصحابها.
وما يجمع بين الملفات الثلاثة، رغم اختلاف طبيعتها، هو السؤال المتعلق بمدى وضوح القرار الإداري وإمكانية تتبع مراحله. ففي بوبانة، تبرز الحاجة إلى تفسير الانتقال من معاينة مخالفة إلى الترخيص، ثم رفض شهادة المطابقة وفق المعطيات المنشورة. وفي طنجة المدينة، يتعلق الأمر بمصير التعرضات والأسس التي تحكم تصنيف العقارات. أما في الفحص أنجرة، فيتمحور النقاش حول أثر وثيقة عمرانية واسعة النطاق وكيفية معالجة الاعتراضات عليها.
وهذه ليست مجرد تفاصيل تقنية منفصلة، بل مسائل ترتبط مباشرة بفعالية الرقابة الإدارية وبالثقة في المؤسسات المشرفة على التعمير، خصوصاً حين تصبح القرارات الصادرة عنها موضوع خلافات علنية أو احتجاجات محلية.
وفي قلب هذه المسؤولية تبرز مديرة الوكالة الحضرية، محاسن بركة، التي تقود المؤسسة منذ فبراير 2024. فالمساءلة المرتبطة بحصيلتها لا ينبغي أن تختزل في الجدل حول حضور الاجتماعات أو الغياب عنها، بل تمتد إلى ما تحقق خلال فترة إدارتها على مستوى وضوح المساطر، وتعليل القرارات، والتفاعل مع التعرضات، والتنسيق مع الجماعات الترابية، وتدبير الملفات التي تثير نزاعات عمرانية.
فالمؤسسة العمومية لا تُقاس حصيلتها بعدد التصاميم التي تساهم في إعدادها أو الرخص التي تدرسها فقط، وإنما كذلك بقدرتها على ضمان احترام الضوابط القانونية، وتقديم أجوبة دقيقة عندما تظهر اختلافات أو اعتراضات بشأن قراراتها. كما أن الخبرة التقنية للإدارة تكتسب قيمتها الحقيقية عندما تقترن بالشفافية وإمكانية المراقبة، لا عندما تصبح تعقيدات المساطر عائقاً أمام فهم المواطنين لما يجري في ملفاتهم.
لكن توزيع المسؤوليات بين المؤسسات لا ينبغي أن يتحول بدوره إلى عائق أمام المساءلة، أو إلى وضع يصبح فيه تحديد صاحب القرار الفعلي أمراً بالغ الصعوبة. فحين تثار قضية عقارية مرتبطة بترخيص مختلف عليه، يكون من حق الرأي العام معرفة الجهة التي وافقت، والجهة التي تحفظت، والمبررات التي استند إليها كل طرف، والكيفية التي حُسم بها الخلاف
وفي ظل تنامي الضغط العمراني والعقاري الذي تشهده طنجة ومحيطها، تزداد أهمية إخضاع القرارات ذات الأثر الاقتصادي الكبير لمعايير واضحة وقابلة للتحقق، لأن الأمر لا يتعلق فقط بتنظيم البناء، وإنما أيضاً بحماية التوازن بين الاستثمار والمصلحة العامة وحقوق الملكية.
فما يحتاجه الرأي العام في طنجة اليوم ليس تبادل الاتهامات بين المؤسسات أو الاكتفاء ببلاغات تؤكد احترام المساطر، بل أجوبة موثقة تشرح ما جرى في الملفات العقارية التي أثارت الخلاف، وتكشف معايير التعامل مع التعرضات وطلبات التراخيص، وتوضح الإجراءات التي اتخذت لمعالجة الاختلالات متى ثبت وجودها.
وبينما تمضي المدينة في توسيع مجالها العمراني وتعزيز جاذبيتها الاستثمارية، تبقى الوكالة الحضرية أمام اختبار يتجاوز إعداد الخرائط وإبداء الآراء التقنية، إلى إثبات أن القرارات المؤثرة في مستقبل الأرض والعقار تخضع لقواعد واضحة ومعلنة، وأن حق المواطن في معرفة أسباب القرار لا يقل أهمية عن سلطة الإدارة في اتخاذه.
أما محاسن بركة، بصفتها المسؤولة الأولى عن الوكالة، فإن السؤال الذي تفرضه الملفات المتراكمة ليس فقط ما إذا كانت المؤسسة قد احترمت الإجراءات الشكلية، وإنما ما إذا كانت إدارتها قادرة على تقديم الأجوبة والوثائق الكفيلة بتبديد الشكوك بشأن القرارات المثيرة للجدل، وإثبات أن تدبير التعمير بطنجة تحكمه المصلحة العامة ومعايير قانونية موحدة، بعيداً عن أي تأثير غير مشروع للمصالح العقارية.
فحين يصبح قرار إداري قادراً على تغيير مصير عقار وقيمته الاقتصادية، لا تعود الشفافية خياراً تواصلياً للمؤسسة، بل تصبح شرطاً أساسياً لمشروعية تدبير الشأن العمراني وثقة المواطنين في الجهات التي تتولى رسم مستقبل مدينتهم.



