في خضم الجدل الدائر حول قرار إعادة فتح شارع المكسيك أمام حركة السيارات بمدينة طنجة، أزاحت دراسة ميدانية حديثة الستار عن اختلالات بنيوية وحركية يعيشها هذا المحور الحيوي، مما يعزز مطالب الساكنة والهيئات المدنية بضرورة مراجعة القرار وتبني مقاربة عمرانية تضع الإنسان في صلب أولوياتها.
الدراسة، التي أنجزها الدكتور عبد الرحيم بوزيان، الأستاذ بالمدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية بطنجة، لفائدة مختبر علوم الهندسة وتكنولوجيا المعلومات، اعتمدت على تحليل دقيق لحركية المشاة والسائقين داخل شارع المكسيك، من خلال أدوات علمية دقيقة مثل مستوى الخدمة للمشاة (PLOS) وزمن الفجوة الحرجة (Critical Gap Time).
وخلصت الدراسة إلى أن الشارع يُنتج ما وصفته بـ”وضعية اختناق وظيفي مستمر”، تتفاقم حدّتها في المقاطع التي تعرف ضيق الأرصفة وغياب ممرات كافية للمشاة.
كما بيّنت المعطيات أن الراحة الحركية تتراجع بشكل لافت، نتيجة الاحتكاك المتواصل بين المشاة والمركبات داخل فضاء مختلط، لا يوفّر الحد الأدنى من معايير الأمان والتنقل السلس.
وبناءً على تحليل “زمن الفجوة الحرجة”، وهو مقياس يُستخدم لتحديد الوقت الآمن لعبور المشاة في بيئة مختلطة، تبيّن أن المسافات الزمنية بين السيارات المارة لا تتيح فرصًا آمنة لعبور المشاة، مما يكرّس إحساسًا دائمًا بعدم الأمان لدى السكان والمارة.
كما سجل المؤشر الخاص بـ”PLOS” أن مستوى خدمة المشاة ضعيف إلى متوسط في معظم أجزاء الشارع، خصوصًا خلال ساعات الذروة، ما يجعل من هذا الممر الحضري نقطة ضغط خانقة بدل أن يكون فضاءً مريحًا للمشاة والزوار.
نتائج الدراسة العلمية تأتي في وقت تتزايد فيه المطالب المجتمعية بضرورة اعتماد رؤية حضرية جديدة، تُراعي التوازن بين الوظيفة التجارية والحركية للشارع من جهة، وحق الساكنة في بيئة حضرية آمنة ومريحة من جهة أخرى.
ويدعو متخصصون إلى استلهام تجارب وطنية ودولية نجحت في تحويل الشوارع المكتظة إلى فضاءات إنسانية متعددة الوظائف، من خلال تقليص هيمنة السيارة، وتوسيع الأرصفة، وتنظيم أوقات التزود، إلى جانب خلق ممرات خضراء تعيد التوازن البصري والبيئي داخل المدن.
وفي تعليقات متطابقة لمجموعة من سكان شارع المكسيك وفاعلين مدنيين بالمنطقة، طالبوا سلطات المدينة بأخذ نتائج هذه الدراسة بعين الاعتبار، وفتح نقاش علمي وعمومي حول أفضل السيناريوهات المستقبلية للشارع، بما يعيد الاعتبار لحق الساكنة في فضاء حضري منظم وآمن.


