مشروع “الممر الأخضر” البحري يثير الشكوك حول مصداقية التنفيذ بحلول 2027
رغم الزخم الإعلامي الكبير في الأشهر الأخيرة، والذي رافق إعلان شركة Balearia الإسبانية عن مشروعها لتسيير أول خط بحري كهربائي بالكامل بين ميناء طنجة المدينة وميناء طريفة الإسباني ابتداء من عام 2027، إلا أن أوساطا اقتصادية وتقنية تعتبر ما تروّج له الشركة “ادعاء بيئيا مبكرا” يصعب تحقيقه في الآجال المحددة.
ففي ندوة صحفية نظمتها الشركة نهاية يونيو 2025 بطنجة، أعلنت Balearia عن مشروع “الممر الأخضر” الذي يرتكز على سفينتين كهربائيتين من نوع كاتاماران، تعملان بدون انبعاثات كربونية وتتوفران على بطاريات بسعة 11,500 كيلواط/ساعة لكل منهما.
الشركة تعهدت بأن تكون الرحلات بين ضفتي المتوسط خالية من أي وقود أحفوري، في مبادرة هي الأولى من نوعها في غرب البحر الأبيض المتوسط.
لكن خلف هذا الطموح البيئي، يرى خبراء في الاقتصاد البحري أن المشروع يفتقر إلى مقومات التنفيذ الواقعي في المدى الزمني المُعلن.
مشروع بلا بنية تحتية جاهزة
المشروع، الذي يُقدّر حجمه الاستثماري بـ160 مليون يورو، يتطلب تجهيزات تقنية معقدة، على رأسها محطات شحن أرضية عملاقة في الميناءين، بقدرات تصل إلى 8 ميغاواط، إضافة إلى أنظمة شحن روبوتية تعتمد على تكنولوجيا حديثة لا تزال في طور التجريب في موانئ أوروبية محدودة.
ويرى متابعون أن البنية التحتية الكهربائية لكل من طنجة المدينة وطريفة لم يتم تأهيلها بعد لاستيعاب هذا النوع من الأنظمة، وأن مدة عامين ونصف غير كافية لتشييد وتجريب واستصدار التراخيص لتشغيل هذه المنظومة المعقدة.
تسويق بيئي يخفي محركات ديزل
وعلى الرغم من إصرار الشركة على “صفر انبعاثات”، تكشف المعطيات التقنية أن كل سفينة ستتضمن أربعة مولدات ديزل احتياطية بقوة إجمالية تصل إلى 11,200 كيلواط، ما يعني أن الاعتماد على الكهرباء لن يكون مطلقا، بل قد يقتصر على فترات محددة أو مشروطة بمستوى شحن البطاريات، وهو ما يضع شعار “ممر أخضر بالكامل” موضع تساؤل جدي.
ضبابية في التمويل والتنفيذ
ورغم الإعلان عن التمويل الكامل للمشروع، إلا أن الشركة لم توضح في بياناتها الرسمية كيفية توزيع الاستثمارات بين السفن وتجهيزات الموانئ. كما لم تقدم حتى اليوم جدولا زمنيا مفصلا لمراحل الإنجاز، مما يعزز مخاوف أن يكون الإعلان وسيلة تسويق بيئية أكثر منه التزاماً هندسياً دقيقاً.
وفي هذا السياق، يرى محللون أن المشروع، رغم وجاهته البيئية، يعيد إنتاج نمط من “الدعاية المستدامة”، حيث يتم الإعلان عن مشاريع طموحة بهدف حجز موقع في سوق تنافسية أوروبية، دون أن تكون هناك ضمانات حقيقية لتحقيقها في الآجال المعلنة.
هل نحن أمام مشروع واعد أم حملة ترويجية؟
ما بين الأرقام الضخمة والآجال الضيقة، يتضح أن مشروع Balearia الأخضر يواجه تحديات فعلية في الواقع، تبدأ من البنية التحتية غير الجاهزة، مرورا بتعقيدات التشغيل، وليس انتهاء باعتماده الضمني على محركات ديزل في سفن يُفترض أنها “كهربائية بالكامل”.
وفي انتظار تطورات ملموسة على أرض الواقع، يبقى المشروع، في نظر العديد من المتتبعين، أقرب إلى “إعلان بيئي باكر”، يفتقر إلى الشروط الكفيلة بتحويله إلى تجربة ناجحة بين الضفتين.
بين الإعلان والواقع… فجوة كهربائية
يرى أن الاستثمار في النقل النظيف أصبح ضرورة، إلا أن الرهان على مشروع مثل “الممر الأخضر” بين طنجة وطريفة لا يجب أن يُبنى على الآمال وحدها. فنجاح مثل هذا المشروع لا يكفيه الترويج الإعلامي، بل يتطلب التزاما تقنيا ومؤسساتيا طويل النفس، وهو ما لا تملكه كل الشركات.


