في مدينة طالما كانت بوابة للحوار بين الشرق والغرب، عاد صدى الدبلوماسية ليُطلّ من طنجة من جديد، لكن هذه المرة بروح مختلفة؛ أكثر دفئا، وأكثر التصاقا بواقع الناس.
فقد عقدت دائرة الهيئات القنصلية في شمال المغرب (CCCNM)، أمس الأربعاء، اجتماعها الثاني بحضور ممثلي السلك القنصلي لعشرين دولة من أوروبا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا، في لقاء حمل بين ثناياه رائحة المتوسط وعمق الرسائل التي تتجاوز البروتوكول إلى جوهر الإنسان والتعاون.
الاجتماع، الذي احتضنته القنصلية الفخرية الألمانية بعاصمة البوغاز، شكّل مناسبة لإطلاق الموقع الإلكتروني الرسمي للدائرة، كمنصة تواصل جديدة بين الدبلوماسية والمجتمع المدني والفاعلين الاقتصاديين، إلى جانب الإعلان عن طلب انضمام النادي إلى الفيدرالية الدولية للهيئات والجمعيات القنصلية (FICAC).
ومن قلب النقاشات، برزت فكرة الدبلوماسية الاقتصادية باعتبارها جسرا حيويا يربط بين المبادلات التجارية والتنمية المحلية، وهو ما أكده المستشار الاقتصادي بسفارة رومانيا، ريموس رادوليسكو، حين تحدث عن التحول الملموس في العلاقات المغربية–الرومانية خلال العقد الأخير.
في المقابل، لم يغب البعد الإنساني والثقافي عن هذا اللقاء. فقد أعاد القنصل الفخري للبرتغال، عبد اللطيف برنوصي، إلى الأذهان الدور التاريخي لطنجة كعاصمة دبلوماسية عالمية، بينما شدّد رئيس الدائرة القنصلية، زهير مكور، على أن التكوين المستمر والدبلوماسية الاقتصادية هما عماد الممارسة القنصلية الحديثة، مؤكدا أن النادي يسعى إلى تمثيل المغرب بفعالية خلال المؤتمر الدولي الرابع عشر للقناصل المزمع عقده بمراكش نهاية الشهر الجاري.
لكن اللحظة التي خطفت الانتباه، كانت عندما تحدث محسن الصفريوي، القنصل الفخري لبوركينا فاسو ورجل الأعمال المعروف، لموقع طنجاوة، بصوت يحمل الكثير من الصراحة والدفء الإنساني، متجاوزا حدود القاعة إلى نبض الشارع المغربي ووجع الشباب الذي خرج محتجا.

وقال الصفريوي إن “مطالب الشباب من جيل زد، ليست جديدة. هي مطالب قديمة، كانت تُقال منذ سنوات، لكن ما يؤلم هو أن الشباب لم يعد يرى شيئا يتحقق على أرض الواقع… يرى تكرارا، يرى غيابا للمصداقية، خاصة في قطاع الصحة الذي أصبح يعكس مشاهد مؤلمة من المعاناة اليومية.”
وتابع، بصوت يمزج بين النقد والأمل، “لا يمكن في سنة 2025 أن ينتظر المواطن شهورا لإجراء فحص بسيط أو عملية جراحية، بينما يزدهر القطاع الخاص على حساب العام. الإصلاح الحقيقي يبدأ حين يشعر المواطن بالعدالة، حين يرى أن الوزير أو المنتخب أو المسؤول الذي أخلف وعده يُحاسب… حينذاك فقط نستعيد الثقة”.
ثم استدرك بلهجة أقرب إلى نداء وطني صادق، “هؤلاء الشباب الذين خرجوا محتجين ليسوا خصوما للوطن، بل أبناء هذا الوطن. علينا أن نفهم أسباب غضبهم قبل أن نحاكمهم. إنهم ضحايا الإحباط والتهميش، وقد سبق للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن حذّر من هذه الفئة التي لا تدرس ولا تعمل. فمتى نتحرك؟”
من جهة أخرى أبرز الصفريوي، “إفريقيا لديها فرص كثيرة للتجارة والصناعة والاستثمار، والمغرب يمكنه أن يكون جسرا حيويا للتقارب معها”.

وأضاف، “نحن كممثلين وقناصل فخريين نعمل على أن يقترب رجال الأعمال المغاربة من هذه الأسواق، وأن تستفيد الدول الإفريقية من خبرتنا، كما نستفيد نحن من تبادل التجارب والتقنيات”.
كما أشار إلى أن العلاقات بين المغرب ودول إفريقيا تتسم بالثقة، مشددا على أن فرص المغرب في تطوير صناعته وتجارته عبر القارة الإفريقية كبيرة، وأن التبادل الاقتصادي بين المغرب وإفريقيا يحتاج إلى رؤية استراتيجية ومتابعة مستمرة من المسؤولين المغاربة، لتعظيم الاستفادة المشتركة.
ومع ختام اللقاء، كان واضحا أن دائرة الهيئات القنصلية بشمال المغرب لا تسعى فقط إلى تقوية جسور التواصل بين الدول، بل إلى إعادة تعريف معنى الدبلوماسية نفسها: دبلوماسية تتحدث لغة التنمية، وتُصغي لأنين المواطن، وتؤمن أن الدفاع عن القضايا الوطنية –وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية– يبدأ من إتقان فن الإصغاء للإنسان.



