في مشهد يبدو وكأنه من مسرحية كوميدية، تصدرت جماعة طنجة عناوين الأخبار المحلية بحصولها على جائزة The Open Gov Challenge عن فئة إفريقيا والشرق الأوسط، بمشروعها المسمى “طنجة الكبرى: الميزانية التشاركية”. ومن بين الشخصيات المشاركة في الحفل الذي أقيم في مدينة فيتوريا الإسبانية، حضر الملك فيليبي السادس، ليصافح عمدة طنجة، منير ليموري، ويبارك ما وصفه بالمبادرة المتميزة في مجال الحكامة المنفتحة.
لكن بينما كان الرئيس يرفع الكأس الدولية ويبتسم للكاميرات، كانت الحقيقة المالية لجماعة طنجة تتحدث بلغة مختلفة تماما، سيارات الجماعة، وعلى رأسها أسطول لم يعد مجرد وسيلة نقل، بل شريك أساسي في “الميزانية التشاركية”، تلتهم وحدها 400 مليون سنتيم سنويا لشراء الوقود والزيوت، أي نفس المبلغ الذي رصدته الجماعة السنة الماضية. وكأن السيارات تعرف قبل المواطنين أين تذهب أولويات المدينة!
وإذا ظن القارئ أن هذا المبلغ يشمل فقط تعبئة البنزين، فهو مخطئ. فقد خصصت الجماعة 60 مليون سنتيم لصيانة السيارات و65 مليون سنتيم للتأمين عليها، لتصبح المصروفات على أسطول السيارات شبه أضخم من ميزانيات بعض المشاريع الحقيقية التي يحتاجها المواطن في حياته اليومية، كالطرقات، الإنارة العمومية، وقنوات الصرف الصحي في الأحياء الهامشية.
أما “التشاركية” الحقيقية، التي يفترض أن تمنح المواطنين صوتا في تحديد أولويات الإنفاق المحلي، فغابت تماما أمام التباهي الدولي، ليقتصر أثرها على خزائن السيارات الإدارية التي لا تعرف الانتظار ولا الحياد، في حين يظل سكان طنجة في انتظار أن تصلهم مبادئ الشفافية والانفتاح التي تباهت بها الجماعة على المسرح العالمي.
بل أكثر من ذلك، تشير وثيقة ميزانية 2026 إلى تراكم أحكام قضائية وتعويضات مالية بمليارات السنتيمات، منها حكم يعود لسنة 1995 بمبلغ يفوق 2.2 مليون درهم وآخر لسنة 2007 يفوق 4.4 مليون درهم، إضافة إلى عشرات الأحكام الأخرى غير المنفذة.
هذه التعويضات تجعل الإنفاق على أسطول السيارات موضوعا مثيرا للجدل، خصوصا في ظل الأزمات المالية المتفاقمة، والمشاريع الكبرى مثل إعادة تهيئة المدينة استعدادا للمونديال، التي تتطلب موارد حقيقية لا تذهب في البنزين والزيوت.
ومن الطريف أن “الميزانية التشاركية” التي فازت بالجائزة الدولية تتضمن آليات مشاركة يفترض أن تمكن المواطن من اقتراح المشاريع والمصادقة عليها، إلا أن الواقع المحلي يشير إلى أن المشاركة الأوسع تمت بين الموظفين والسيارات فقط.
ويبدو أن المواطنين سيضطرون لمتابعة جائزة طنجة من على الشاشات، بينما سيارات الجماعة تتسابق على الوقود، وكأنها هي من يقرر الأولويات في المدينة.
وفي ظل هذه المفارقة الصارخة، يطرح السؤال نفسه بقوة: هل ستتغير أولويات جماعة طنجة مستقبلا لتشمل المواطن قبل المركبة؟ أم أن الجوائز الدولية تبقى ترفا للعمدة والسيارات، بينما المدينة لا تزال تبحث عن حافز حقيقي لتغيير حياتها اليومية؟
ويبقى الواقع المؤكد أن طنجة أثبتت أنها قادرة على الفوز بالجوائز الدولية، لكنها لم تثبت بعد قدرتها على جعل التشاركية حقيقية وملموسة للمواطن العادي. وفي الوقت نفسه، ستظل سيارات الجماعة على العرش، تتسابق على الوقود، وكأنها المواطن المثالي الوحيد في هذه المدينة التي ما زالت تصارع أزمتها الحقيقية: نقص البنية التحتية والخدمات الأساسية.



