في كل محطة انتخابية، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: هل يكفي تغيير الشعارات، أم أن السياسة تحتاج قبل ذلك إلى تغيير الوجوه والعقليات؟
سنوات من الوعود، وبرامج كثيرة قُدمت للناخبين، ووجوه ظلت حاضرة في المشهد السياسي دورة بعد أخرى، جعلت جزءاً من الرأي العام أكثر تشدداً في تقييم المرشحين، وأكثر بحثاً عن الكفاءة والقدرة على الإنجاز بدل الاكتفاء بالخطاب التقليدي.
وفي هذا السياق، يبرز النقاش حول أهمية فتح المجال أمام وجوه جديدة، قادمة من تجارب مهنية واقتصادية واجتماعية مختلفة، وقادرة على حمل رؤية عملية إلى المؤسسات المنتخبة.
ومن بين الأسماء التي تدخل هذا الاستحقاق بخلفية مختلفة، عبد الحنين الغرافي، وكيل لائحة حزب الاستقلال بدائرة المضيق–الفنيدق، الذي يخوض أول تجربة انتخابية له بعد مسار في عالم الأعمال والرياضة، وتجربة راكمها بين المغرب والخارج.
الغرافي يقدم نفسه ضمن جيل من المرشحين الذين يريدون نقل خبرتهم المهنية إلى العمل العام، مع التركيز على ملفات التشغيل، والاستثمار، والشباب، والتنمية المحلية، وهي قضايا تظل في صلب انتظارات ساكنة المضيق والفنيدق ومرتيل.
وبين الحاجة إلى تجديد النخب وبين مطلب الكفاءة والنتائج، تدخل هذه الاستحقاقات مرحلة جديدة من النقاش حول نوعية التمثيل الذي تحتاجه المنطقة، ومدى قدرة الوجوه الجديدة على تقديم إضافة مختلفة داخل المؤسسة التشريعية.
من عالم الأعمال إلى اختبار السياسة
مسار عبد الحنين الغرافي لا يبدأ من مقرات الأحزاب ولا من الحملات الانتخابية، بل من تجربة مهنية طويلة تشكلت جزء من ملامحها خارج المغرب، قبل أن يقرر العودة والاستقرار بالمملكة والانخراط في مشاريع اقتصادية ورياضية.
هذه الخلفية هي التي يحاول الغرافي اليوم نقلها إلى المجال السياسي، انطلاقاً من تصور يعتبر أن تدبير الشأن العام يحتاج، إلى جانب الخبرة السياسية، إلى كفاءات تعرف لغة الاستثمار، وتدرك واقع المقاولة، وتفهم كيف تُخلق فرص الشغل وكيف تتحول الأفكار إلى مشاريع قابلة للتنفيذ.
ويأتي ترشحه باسم حزب الاستقلال في سياق يراهن فيه الحزب على الدفع بوجوه تجمع بين التجربة المهنية والارتباط بالمنطقة، في وقت أصبح فيه تجديد النخب واحداً من أكثر المواضيع حضوراً داخل النقاش السياسي.
وبالنسبة للغرافي، فإن اختيار حزب الاستقلال لم يكن وليد الظرف الانتخابي فقط، بل يرتبط أيضاً بخلفية عائلية لها امتداد داخل الحزب، وهو ما جعله يعتبر الانخراط السياسي من بوابة “الميزان” امتداداً لمسار سابق أكثر منه انتقالاً مفاجئاً.
التشغيل.. الملف الذي لا يحتمل مزيداً من الانتظار
في المضيق والفنيدق ومرتيل، لا يمكن لأي خطاب انتخابي أن يتجاوز ملف التشغيل.
فالمنطقة عاشت خلال السنوات الأخيرة تحولات اقتصادية متسارعة، وأصبح البحث عن بدائل حقيقية لخلق فرص الشغل واحداً من أبرز التحديات التي تواجه الشباب والأسر على حد سواء.
الغرافي يضع هذا الملف في مقدمة أولوياته، ويعتبر أن التعامل معه يحتاج إلى تجاوز الحلول الموسمية نحو بناء اقتصاد محلي أكثر قدرة على خلق فرص دائمة.
وتقوم رؤيته على تشجيع الاستثمار، واستثمار الموقع الجغرافي المتميز للمنطقة، وربط الإمكانات السياحية والخدماتية والرياضية بمشاريع قادرة على إنتاج قيمة اقتصادية حقيقية.
كما يعتبر أن تجربة القطاع الخاص يمكن أن تمنح المنتخب فهماً مختلفاً لهذا الملف، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالتواصل مع المستثمرين، وتشخيص العراقيل التي تواجه المبادرة الاقتصادية، والترافع عن حاجيات المنطقة أمام القطاعات الحكومية.
الشباب في قلب الرؤية
إذا كان التشغيل يمثل أحد أكبر التحديات، فإن الشباب يشكل الفئة الأكثر ارتباطاً به.
وهنا يستحضر الغرافي تجربته في المجال الرياضي، التي قربته من فئات واسعة من الشباب وجعلته، بحسب تصوره، أكثر اطلاعاً على طموحاتهم ومشاكلهم اليومية.
ويرى أن التعامل مع قضايا الشباب لا ينبغي أن يقتصر على توفير فضاءات للترفيه، بل يجب أن يمتد إلى التكوين، ودعم المبادرة، وتشجيع المقاولة، وفتح آفاق جديدة أمام أصحاب الأفكار والمواهب.
كما يمنح للرياضة موقعاً خاصاً داخل هذا التصور، باعتبارها أداة للتأطير الاجتماعي من جهة، وقطاعاً يمكن أن ينتج فرصاً اقتصادية ومهنية من جهة أخرى، خاصة في منطقة تمتلك مؤهلات سياحية مهمة وقادرة على احتضان تظاهرات وأنشطة متنوعة على مدار السنة.
منطقة تملك الكثير.. وتحتاج إلى استثمار أفضل لمؤهلاتها
من المضيق إلى الفنيدق ومرتيل، تمتلك الدائرة عناصر قوة يصعب تجاهلها: واجهة بحرية، موقع قريب من أوروبا، نشاط سياحي مهم، موارد بشرية شابة، وقابلية لجذب استثمارات جديدة.
لكن التحدي، كما يطرح في النقاش الانتخابي، لا يكمن في تعداد هذه المؤهلات بقدر ما يرتبط بكيفية تحويلها إلى مشاريع وفرص شغل وتحسن ملموس في حياة السكان.
ومن هنا يركز الغرافي على ضرورة منح المنطقة حضوراً أقوى داخل السياسات الاستثمارية، والاستفادة من موقعها المتوسطي في تطوير قطاعات جديدة، مع تعزيز دور المستثمرين ومغاربة العالم في الدينامية الاقتصادية المحلية.
وتمنحه تجربته ضمن مغاربة العالم زاوية إضافية في هذا الملف، بالنظر إلى أهمية هذه الفئة في الاستثمار ونقل التجارب وربط المنطقة بشبكات اقتصادية خارجية.
البرلمان ليس مقعداً فقط
وفي تصوره لدور النائب البرلماني، يضع الغرافي الترافع في صلب المهمة.
فالوصول إلى البرلمان، بالنسبة إليه، لا ينبغي أن يتحول إلى نهاية العلاقة مع المواطن، بل إلى بدايتها الحقيقية.
ويستند في ذلك إلى ما توفره المؤسسة التشريعية من آليات، من الأسئلة البرلمانية إلى التواصل مع الوزراء والقطاعات الحكومية، مروراً بالعمل داخل الفريق النيابي ومتابعة الملفات التي تخص الدائرة.
ويعتبر أن قوة النائب تقاس بقدرته على جعل قضايا منطقته حاضرة باستمرار داخل النقاش المؤسساتي، وعلى متابعة المطالب وعدم الاكتفاء بطرحها ثم الانتقال إلى ملفات أخرى.
وهنا يعود مفهوم “القرب” ليشكل جزءاً أساسياً من الخطاب الذي يقدمه الغرافي، باعتباره وسيلة لفهم المشاكل من مصدرها وليس مجرد شعار يرفع خلال أسابيع الحملة الانتخابية.
وجه جديد أمام فرصة مختلفة
دخول الغرافي إلى الاستحقاقات للمرة الأولى يمنحه موقعاً مختلفاً عن عدد من الأسماء التي خبرت الانتخابات لسنوات.
فهو يدخل من خارج المسار السياسي التقليدي، حاملاً معه تجربة في المقاولة والرياضة ومغاربة العالم، وهي تركيبة يراهن عليها لتقديم إضافة داخل العمل البرلماني.
وفي زمن أصبح فيه جزء من الناخبين أكثر مطالبة بالكفاءة والنتائج، تطرح تجربة الغرافي بدورها سؤالاً أوسع حول قدرة الأحزاب على فتح المجال أمام أسماء جديدة، لا تستند فقط إلى الخبرة الانتخابية، بل تحمل معها تجارب من الاقتصاد والمجتمع والمهن المختلفة.
فالمرحلة، في نظر كثيرين، لم تعد تحتمل الاكتفاء بتكرار الوجوه والخطابات نفسها، خصوصاً في دوائر تواجه تحديات اجتماعية واقتصادية تحتاج إلى أفكار جديدة وقدرة أكبر على الترافع والاشتغال.
ومن هذا المنطلق، يدخل عبد الحنين الغرافي سباق المضيق–الفنيدق حاملاً تجربة مهنية سابقة على دخوله السياسة، ومقدماً ملفات التشغيل والشباب والاستثمار والتنمية كعناوين رئيسية في رؤيته للمرحلة المقبلة.
وبعيداً عن ضجيج الشعارات الانتخابية، ستبقى القيمة الحقيقية لأي وجه جديد مرتبطة بقدرته على تحويل التجربة والكفاءة إلى عمل مؤسساتي، وعلى جعل ثقة المواطنين مسؤولية تستمر بعد انتهاء الحملة وإغلاق صناديق الاقتراع.



