دخلت العلاقة بين الحكومة والنقابة الوطنية للصحة مرحلة جديدة من التوتر، على خلفية خلاف بشأن طريقة تدبير أجور العاملين بالمؤسسات الصحية، في وقت تستعد فيه النقابة، التابعة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، لتنفيذ إضراب وطني يوم الثلاثاء 10 نونبر، مع مقاطعة الاجتماع المقبل الذي دعا إليه وزير الصحة والحماية الاجتماعية، يونس بجيجو.
وتفجرت هذه الأزمة بعدما أثارت المعطيات المالية الخاصة بميزانية وزارة الصحة لسنة 2027 اعتراضات نقابية بشأن مصير الاعتمادات المخصصة لرواتب الموظفين، ومدى انسجام الترتيبات الجديدة مع الضمانات التي حصل عليها مهنيو القطاع خلال جولات الحوار الاجتماعي السابقة.
وتعتبر النقابة أن الإشكال الأساسي يكمن في تغيير طريقة إدراج أجور العاملين ضمن الميزانية، من خلال تحويل الاعتمادات المرتبطة بها إلى نفقات موجهة للمجموعات الصحية الترابية، بدل الإبقاء عليها في إطارها المالي المعتاد، بما يضمن استمرار تحمل الدولة مسؤولية أدائها.
وأثار هذا التحول تساؤلات لدى التنظيم النقابي بشأن الارتفاع المسجل في بند النفقات المختلفة والمعدات بنسبة 104 في المائة، إذ يرى أن هذه الزيادة لا تعكس بالضرورة توسيع الإمكانيات التشغيلية للقطاع، بقدر ما ترتبط بإعادة توزيع الاعتمادات المخصصة للأجور.
وفي مراسلة رسمية إلى رئيسة الحكومة والوزراء المعنيين، حذرت النقابة من أن اعتماد هذه الصيغة قد يفتح الباب أمام إضعاف الضمانات المرتبطة بالاستقرار المالي للموظفين، معتبرة أن الإصلاح المؤسساتي للقطاع لا يمنح مبررا لإعادة النظر في الحقوق التي جرى الاتفاق على صيانتها.
ويعيد هذا الخلاف إلى الواجهة اتفاق 23 يوليوز 2024، الذي شكل إحدى أبرز محطات التفاوض بين الحكومة وممثلي الشغيلة الصحية، ونص على استمرار تمويل أجور العاملين من الميزانية العامة للدولة، مع الحفاظ على مناصبهم المالية وخضوع مستحقاتهم للمساطر القانونية المعمول بها.
كما تستند النقابة إلى المقتضيات التي تضمنها قانون المالية لسنة 2025، والتي كرست استمرار تحمل الدولة لأجور الموظفين المعنيين بالقانون رقم 08.22، معتبرة أن الترتيبات المرتقبة تطرح إشكالا بشأن مدى احترام هذه الالتزامات.
ولا تقتصر الاعتراضات النقابية على الجوانب المالية، بل تشمل أيضا طريقة تنزيل نظام المجموعات الصحية الترابية، الذي كان يفترض، وفق تصور النقابة، أن يساهم في تطوير الخدمات وتحسين ظروف اشتغال المهنيين، دون إحداث تغييرات تمس بمكتسباتهم الإدارية والاجتماعية.
وتخشى الهيئة النقابية أن يؤدي استمرار الخلاف حول هذه الملفات إلى توسيع دائرة الاحتقان داخل المؤسسات الاستشفائية، في ظل ما تعتبره تراجعا عن نتائج مفاوضات استمرت لسنوات، وأسفرت عن التزامات حكومية كان ينتظر أن تواكب عملية إصلاح المنظومة الصحية.
وبين قرار الإضراب ورفض المشاركة في جولة الحوار المقبلة، تطالب النقابة بتدخل حكومي لتصحيح الترتيبات المالية محل الاعتراض، وتقديم ضمانات صريحة بشأن استمرار أداء الأجور من ميزانية الدولة، سواء بالنسبة للعاملين بالمجموعات الصحية الترابية أو بمختلف المؤسسات الأخرى.
ويأتي هذا التطور ليضيف ملفا اجتماعيا جديدا إلى التحديات التي تواجه إصلاح القطاع الصحي، وسط تلويح النقابة بتوسيع برنامجها الاحتجاجي في حال عدم معالجة أسباب الخلاف.



