على الطرقات الجانبية المؤدية من المطرح الجديد بمنطقة “سكدلة” إلى محطة الضخ في مرقالة، تتحرك شاحنات صهريجية محمّلة بمادة سوداء قاتمة، لا رائحة لها تُشم من بعيد، لكنها تحمل في طياتها خطرا بيئيا جسيما: إنها “الليكسيفيا”، عصارة الأزبال السامة التي تُنقل في صمت نحو شبكة الصرف الصحي لمدينة طنجة، دون معالجة واضحة المعالم، ودون أن ترف للسلطات المعنية عين.
النفايات تمشي في الأنابيب.. نحو البحر
مصادر متطابقة، بينها مهنيون في قطاع النظافة وتقنيون متابعون للقطاع البيئي، أكدت لطنجاوة أن عددا من شاحنات الصهريج شوهدت وهي تقوم بتفريغ “الليكسيفيا” داخل قنوات الصرف الصحي بمحطة مرقالة، حيث تتقاطع المياه العادمة مع مصب يصب مباشرة في البحر الأبيض المتوسط، على مقربة من فضاء يُفترض أن يكون مخصصا للراحة والترفيه.
هذه العمليات، التي تجري تحت أنظار البعض وفي غفلة – أو تجاهل – من جهات أخرى، تتناقض كليا مع المعايير البيئية الدولية والوطنية، وتضع صحة المواطنين والنظام البيئي البحري في خطر محدق.
خبير بيئي: ما يقع تهديد مباشر للبيئة
في تصريح لطنجاوة حذر الخبير البيئي أحمد الطلحي من خطورة ما يجري، مؤكدا أن معالجة مادة “الليكسيفيا” تتطلب تقنيات متقدمة، وإشرافا علميا دقيقا، مع ضرورة توفر الشركات المتدخلة على تراخيص صادرة عن وزارة البيئة، استنادا إلى دراسات علمية منجزة من طرف مكاتب مختصة.
وأضاف الطلحي: “إذا كانت هذه العصارة تُصرف في البحر دون معالجة، أو حتى بمعالجة ناقصة، فإننا بذلك نزيد من تلوث خليج طنجة و الشاطئ البلدي، ونكون قد قمنا بحل مشكل بيئي بمشكله بيئي اخر، بحيث نقلنا التلوث من البر إلى البحر فقط، عوض حل المشكل بشكل مستدام”.
وأشار إلى أن المطرح الجديد بسكدلة كان من المفترض أن يتضمن محطة متكاملة لمعالجة عصارة النفايات، وهو ما لم يتم لحد الساعة، في ظل غياب الشفافية اللازمة.
الأسئلة المسكوت عنها.. والأموال التي تُصرف في صمت؟
لكن المعطيات التي كشفها موقع “كود” تفتح الباب على فضيحة أكبر، تتعلق بكيفية صرف مبالغ مالية ضخمة لشركة “أرما” المفوض لها تدبير النفايات، مقابل خدمة يُفترض أنها غير موجودة أصلا.
وتشير الجريدة أنها توصلت بأوامر أداء موقعة من طرف منير الليموري، عمدة طنجة بصفته رئيس مؤسسة التعاون بين الجماعات “البوغاز”، تُجيز صرف مبالغ تتراوح بين 150 و200 مليون سنتيم شهريا لشركة “أرما” مقابل خدمة “معالجة الليكسيفيا”.
هذه الوثائق تؤكد أن الشركة تتوصل سنويا بما يقارب 2 مليار سنتيم، أي ما يعادل 20 مليون درهم، في وقت تكشف فيه المعطيات عن غياب محطة المعالجة، وعدم توفّر الشركة على الحلول التقنية والعلمية اللازمة للتعامل مع هذه المادة السامة.
العمدة يلوذ بالصمت
حاولت طنجاوة التواصل مع منير ليموري، رئيس مؤسسة التعاون بين الجماعات وعمدة طنجة، لمعرفة رأيه وموقفه من هذه المعطيات الخطيرة، لكن محاولات الاتصال والرسائل ظلت دون جواب، في مشهد يكرس الصمت الرسمي الذي يلف هذا الملف الشائك.
ويبدو أن عمدة المدينة، ومعه الجهات المفترض أنها وصية على القطاع، يفضلون التواري خلف الأسوار بدل مصارحة الرأي العام بخطورة الوضع.



