شهدت مدينة طنجة، خلال الأيام الماضية، افتتاح الفضاء الجديد لـ”سور المعكازين” بعد عملية تهيئة شاملة منحته طابعا جماليا يستحضر الهوية المغربية التقليدية في قالب حضري حديث.
وتعتبر تكسية الأرض بالزليج، وتوزيع الكراسي والإنارة الفنية، وترتيب الفضاء العمومي، مؤشرات على رؤية جديدة لتحسين الفضاءات العامة في المدينة.
لكن خلف أجواء الاحتفاء الشعبي بهذا المشروع، تبرز تساؤلات جدية حول مدى قدرته على الصمود في وجه تحديات التخريب وسوء الاستعمال، وهي معضلة تُلازم عددا من مشاريع التهيئة في طنجة وغيرها من مدن المغرب، حيث سرعان ما تفقد هذه المشاريع بريقها بسبب سلوكيات لا مدنية.
وتأتي هذه المخاوف في سياق تأكيدات علمية رصينة، من أبرزها ما ورد في التقرير الأخير الصادر عن “المركز المغربي للمواطنة” (ماي 2025)، الذي رسم صورة مقلقة عن مستوى السلوك المدني في الفضاءات العمومية، من خلال دراسة شملت أكثر من 1100 مشارك، أغلبيتهم من ذوي الشهادات العليا والطبقة المتوسطة.
وكشف التقرير أن 74% من المستجوبين لاحظوا انتشار رمي النفايات في الشوارع، و70% أكدوا وجود تدمير متعمد لتجهيزات الفضاء العام، في حين أقرّ 67% بضعف احترام المساحات الخضراء، و61% بتراجع احترام قوانين السير، فضلا عن ارتفاع نسب التسول، احتلال الملك العام، والتدخين في الأماكن العامة.
هذا الانهيار السلوكي لا يُعزى فقط إلى ضعف الوعي، بل أيضا إلى غياب الزجر والقدوة، وتراجع دور الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية في بناء ثقافة مدنية، وفق التقرير.
في هذا السياق، يبدو أن تهيئة “سور المعكازين” رغم قيمتها المعمارية والرمزية، قد تواجه مصيرا مشابها لمعالم أخرى في طنجة، سرعان ما تآكلت تحت ضغط الاستعمال العشوائي، ككورنيش المدينة، بعض الحدائق الجديدة، وساحات قريبة من المدينة القديمة، والتي أصبحت في بعض الأحيان نقاطا لتجمع المتشردين أو بؤرا للفوضى والتخريب.
هذا الوضع يضع المشروع أمام معادلة صعبة، تتمثل سماتها في كيفية حماية الفضاءات العمومية من العبث، وضمان استدامتها وجودتها بعد الافتتاح الرسمي، كما يطرح سؤال حول إمكانية زليج جميل وكراسي مرتبة أن تصمد طويلا دون ثقافة مدنية حاضنة.
ويرى التقرير أن الجواب يكمن في بناء ثلاثية حقيقية، تنبني على تهيئة عمرانية جيدة مع تربية مدنية فعالة وزجر قانوني صارم.
ويرى التقرير أن إنشاء فضاءات جميلة لا تكفي إذا لم يُرفق ذلك بحملات توعية متواصلة، ومراقبة فعالة من الشرطة الإدارية، وتشجيع الساكنة على تبني الفضاء العام باعتباره جزءا من كرامتها وهويتها.
من جهة أخرى، دعا التقرير إلى استثمار الرمزية القوية لكأس العالم 2030 كمحفز لإطلاق حملات وطنية حول السلوك الحضاري، تبدأ من المدرسة، وتصل إلى الإعلام، مرورا بالتربية الأسرية والدينية، وهو ما شدد عليه التقرير ذاته.



