على تلال طنجة التي تعانق التاريخ، وبين أزقتها التي شهدت تعاقب الحضارات، تكمن قصة فريدة من نوعها؛ ملحمة إنسانية وروحية تمتد جذورها من جبال وزان الشامخة لتزهر في البوتقة الدولية للمدينة.
إنها حكاية “دار الضمانة”، الصرح الذي لم يكن مجرد زاوية صوفية، بل كان مسرحا لأحداث صنعت التاريخ، واحتضنت قصة حب أسطورية عبرت الحدود والثقافات بين الشريف الحاج عبد السلام الوزان والإنجليزية إيميلي كين.
في شهادة نادرة وحية، يفتح لنا مراد الشريف الوزان، حفيد الشريف وإيميلي، أبواب الذاكرة ليكشف عن فصول من هذا الإرث الغني.
تبدأ الحكاية ليس من طنجة، بل من القرن الثالث عشر، حيث يُرجع اسم “دار الضمانة” إلى وعد سماوي و”ضمانة” نالتها ابنة القطب الصوفي مولاي عبد السلام بن مشيش، لتتحول الدار عبر الزمن إلى رمز للبركة والأمان.
من زاوية روحية إلى صرح اجتماعي
“لم تكن مجرد مكان للعبادة، بل كانت قلباً نابضاً بالحياة”، هكذا يصف مراد الشريف دور الزاوية الوزانية التي تأسست رسميا عام 1640 على يد الشيخ مولاي عبد الله الشريف.
لم يقتصر دورها على تعليم أصول الطريقة الشاذلية ونشر الإيمان، بل لعبت دورا اجتماعيا محوريا؛ يروي حفيدها: “كانت الزاوية تطعم آلاف الناس يوميا. في بعض الأحيان، وصل العدد إلى 26 ألف شخص. كان هذا دورا يتجاوز الروحي ليشمل الإنساني في أسمى صوره”.
هذا الدور جعل من الزاوية وشيوخها قوة فاعلة في النسيج المغربي، حيث كانوا وسطاء لحل النزاعات بين القبائل، وحلقة وصل بين الشعب والسلطة، محافظين على استقرار اجتماعي دقيق في أزمنة متقلبة.
إيميلي كين: شريفة على ضفاف طنجة
لكن الفصل الأكثر بريقا في تاريخ الدار الحديث كُتب في طنجة. في المدينة الدولية التي كانت ملتقى الدبلوماسيين والمغامرين والفنانين، التقى الشيخ الحاج عبد السلام، الشريف السابع للطريقة، بالشابة الإنجليزية إيميلي كين. لم يكن لقاء عاديا بل كان تقاطعا بين عالمين.
يقول حفيدها: “كان جدي رجلا متقدما في أفكاره، فنانا وموسيقيا ومحبا للحياة. هذا الانفتاح هو ما سمح لهذا اللقاء بأن يتحول إلى قصة حب وزواج”.
في عام 1879، تزوج الشريف من إيميلي التي اعتنقت الإسلام، لتصبح “الشريفة الوزانية”، وهو اللقب الذي حملته بفخر وحب.
لم تكن إيميلي مجرد زوجة أجنبية، بل انغمست في قلب المجتمع المغربي؛ تعلمت تقاليده وأحبت أهله، وكرست حياتها لخدمتهم.
يروي السيد مراد بفخر: “هي التي أدخلت لقاح الجدري إلى المغرب، وكانت تشرف شخصيا على حملات التلقيح في دار الضمانة هنا في طنجة حتى عام 1973. كانت تزور المرضى في بيوتهم، وتقدم الدواء والمساعدة، لتصبح جزءا لا يتجزأ من حياة الناس”.
الحب والدبلوماسية في زمن الأزمات
تجاوز تأثير الشريفة إيميلي الجانب الاجتماعي ليلعب دورا دبلوماسيا حاسما. فعندما هزّت حادثة اختطاف المواطن الأمريكي “أيون برديكاريس” من قبل الثائر أحمد الريسوني أركان الدبلوماسية الدولية وهدد الرئيس الأمريكي روزفلت بالتدخل العسكري، كانت الشريفة هي مفتاح الحل.
“كلّفت ولديها، مولاي علي ومولاي أحمد، بالتفاوض مباشرة مع الريسوني”، يقول حفيدها، “احتراماً لمكانة أبناء الشريف، وبفضل وساطتهما، أطلق الريسوني سراح برديكاريس، لتنزع فتيل أزمة دولية كانت وشيكة”.
هذا الدور، الذي وثقته بنفسها في كتابها “My Life Story”، يظهر حجم الثقل والمكانة التي حظيت بها هذه السيدة الاستثنائية.
واليوم، يقف أحفادها، ومن بينهم مراد الشريف الوزان، كحراس على هذا الإرث، ساعين من خلال مؤسسة ومشاريع لجمع شتات هذه الذاكرة، ليس كحنين للماضي، بل كدرس للمستقبل وذكرى تبين أن قصة دار الضمانة والشريفة إيميلي ليست مجرد حكاية من التاريخ، بل هي شهادة حية على أن المغرب كان ولا يزال أرضا للتلاقي، وأن الحب والاحترام قادران على بناء جسور لا تهدمها الأيام.


