في وقت تراهن فيه جهة طنجة تطوان الحسيمة على إعادة تنظيم تدبير القطاع الصحي، تبرز صفقة تقدر بأكثر من مليوني درهم لصيانة جهاز واحد للتصوير بالرنين المغناطيسي بالمستشفى الجامعي العام محمد السادس بطنجة، لتطرح تساؤلات حول كلفة صيانة التجهيزات الطبية الثقيلة ومدى تناسبها مع حجم الخدمات المطلوبة.
المبلغ الذي خصصته المجموعة الصحية الترابية للجهة يصل، وفق التقديرات الأولية، إلى 2.027 مليون درهم، وهو رقم لافت بالنظر إلى أن الأمر يتعلق بصيانة جهاز واحد، وليس باقتناء جهاز جديد أو إنشاء وحدة تشخيصية متكاملة.
وتشمل الصفقة، التي تحمل رقم 44/2026/SAD/GSTTTA، مختلف العمليات المرتبطة بالحفاظ على جاهزية جهاز الرنين المغناطيسي بقوة 1.5 تسلا، من الصيانة الوقائية والإصلاحية إلى توفير قطع الغيار واليد العاملة والملحقات، فضلاً عن نظام التكييف وتوفير ونقل غاز الهيليوم عند الحاجة.
لكن ارتفاع القيمة التقديرية للصفقة يفرض طرح سؤال واضح: ما الذي يجعل صيانة جهاز واحد تصل إلى أكثر من مليوني درهم؟
فالوثائق المرتبطة بطلب العروض لا تشير إلى عطب محدد أو توقف حالي للجهاز يستدعي تدخلاً استثنائياً، وإنما تتحدث عن عقد يجمع بين الصيانة الوقائية والتدخلات الإصلاحية المحتملة، بما يضمن استمرار تشغيل المنظومة.
وبعبارة أخرى، فإن المبلغ المرصود لا يعني بالضرورة أن المستشفى سيؤدي فعلياً 2.027 مليون درهم، باعتبار أن الرقم يمثل تقديراً أولياً قبل فتح العروض واختيار المتعهد. غير أن ضخامة التقدير تظل، في حد ذاتها، جديرة بالانتباه، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بميزانية مؤسسة صحية عمومية.
جهازان فقط للرنين في مركز جامعي كبير
وتزداد حساسية الموضوع بالنظر إلى محدودية عدد أجهزة الرنين المغناطيسي المتوفرة بالمركز. فالمعطيات المنشورة حول المؤسسة تشير إلى توفرها على جهازي رنين مغناطيسي فقط، إلى جانب ثلاثة أجهزة للتصوير المقطعي وجهاز للتصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني «PET-SCAN».
وهذا يعني أن الصفقة الحالية تخص واحداً من جهازين فقط يعتمد عليهما المركز في هذا النوع من الفحوصات، داخل مؤسسة تتجاوز طاقتها الاستيعابية 771 سريراً وتضم 23 غرفة عمليات.
أهمية الجهاز تفسر بالتأكيد ضرورة الحفاظ على جاهزيته، لكن ذلك لا يمنع من مساءلة تكلفة هذا الحفاظ على الجاهزية، خصوصاً في ظل محدودية الموارد الصحية وارتفاع الطلب على الخدمات الطبية المتخصصة.
صفقة في بداية مرحلة جديدة للقطاع الصحي
العملية تأتي أيضاً في ظرف استثنائي بالنسبة للمنظومة الصحية بالجهة، التي تستعد للانتقال إلى نموذج جديد يقوم على المجموعة الصحية الترابية، بما يعني توحيد تدبير عدد من المؤسسات والتجهيزات والموارد على المستوى الجهوي.
وكانت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية قد أعلنت أن جهة طنجة تطوان الحسيمة ستكون من أوائل الجهات التي ستدخل هذا النموذج حيز التنفيذ، على أن يبدأ العمل الفعلي بالتجمع الصحي الترابي خلال غشت 2026.
وبالتالي، فإن هذه الصفقة تأتي في الشهر نفسه الذي يفترض أن يبدأ فيه النموذج الجديد عمله فعلياً، ما يجعل طريقة تدبير التجهيزات الطبية وكلفة صيانتها أحد الاختبارات المبكرة للنظام الجديد.
فإذا كان الهدف من المجموعة الصحية الترابية هو ترشيد الموارد وتحسين تدبير المعدات وتفادي تكرار النفقات، فإن الرأي العام سيكون معنياً بمعرفة ما إذا كانت هذه الصفقات ستقود فعلاً إلى خفض الكلفة وتحسين الاستغلال، أم أن النفقات المرتبطة بالتجهيزات ستظل مرتفعة رغم تغيير طريقة التدبير.
مليونا درهم.. مجرد بداية؟
السؤال الأبرز لا يتعلق فقط بهذه الصفقة، بل بما قد تعنيه بالنسبة لباقي التجهيزات الطبية الموجودة بالمؤسسات الصحية التابعة للجهة.
فإذا كانت صيانة جهاز واحد للرنين المغناطيسي تقدر بأكثر من مليوني درهم، فإن حجم الإنفاق الإجمالي على صيانة أجهزة التصوير الطبي والتجهيزات الجراحية والإنعاش وغيرها يستحق بدوره أن يكون موضوعاً للمتابعة والتدقيق.
وتفرض هذه المعطيات على المجموعة الصحية الترابية الجديدة تقديم أكبر قدر ممكن من الشفافية حول كلفة الصيانة، طبيعة الأعطاب، مدة العقود، الشركات المستفيدة، والقيمة النهائية التي ستدفع فعلياً بعد انتهاء مسطرة المنافسة.
خصوصاً أن الرقم المعلن حالياً ليس مبلغاً نهائياً، بل مجرد تقدير، ما يفتح الباب أمام احتمال انخفاضه بعد المنافسة، أو بقاء القيمة قريبة منه بحسب العروض المقدمة.
وفي النهاية، لا أحد يجادل في أن أجهزة الرنين المغناطيسي تحتاج إلى صيانة تقنية دقيقة ومكلفة، وأن توقفها قد يؤثر مباشرة على مصالح المرضى. لكن حماية استمرارية الخدمة الصحية يجب أن تسير بالتوازي مع حماية المال العام.
ومع بداية تجربة المجموعة الصحية الترابية بجهة طنجة تطوان الحسيمة، ستكون صفقة صيانة هذا الجهاز أحد الملفات التي تستحق المتابعة: هل سينخفض الرقم عند إبرام العقد؟ ومن سيحصل على الصفقة؟ وما الذي سيحصل عليه المستشفى فعلياً مقابل أكثر من مليوني درهم؟
أسئلة ستجيب عنها نتائج طلب العروض، بينما يبقى الرقم التقديري المعلن حالياً كافياً لفتح نقاش جدي حول كلفة صيانة التجهيزات الطبية في القطاع الصحي العمومي.



