في ظل الأزمة المعيشية التي تخنق جيوب المواطنين، تطفو على السطح مرة أخرى قضية أسعار الأدوية في المغرب، بعدما أصبحت تُشكل عبئا ثقيلا على المرضى وذويهم، بل وتتجاوز في بعض الحالات حدود المعقول والمنطقي، مقارنة بدول لا تبعد عنا كثيرا في المستوى الاقتصادي.
القصة التي فجّرت هذا الجدل الجديد بدأت باتصال بسيط، لكنه كشف عن مفارقة صادمة.
أحد النشطاء المعروفين على منصات التواصل الاجتماعي، سمع عن حالة شخص يعاني من تشمع الكبد ويحتاج لدواء “Baraclude” الحيوي، فتوجه لمساعدته في اقتنائه من إحدى الصيدليات المغربية، إلا أن المفاجأة التي واجهته تمثلت في كون ثمن العلبة الواحدة بلغ 5266 درهما، أي ما يزيد عن نصف الحد الأدنى للأجور في البلاد.
الناشط الذي بدا مصدوما من السعر، قرر البحث عن بدائل، ليلجأ إلى تركيا، ومن هناك، وبالاسم التجاري نفسه، اقتنى نفس الدواء مقابل 2600 ليرة تركية فقط، أي ما يعادل 580 درهما مغربيا، في فرق. مهول بين السعرين.
العديد من الخبراء يُرجعون هذا التفاوت الفاحش إلى غياب نظام صارم لتسقيف الأسعار في المغرب، وترك هامش ربح كبير لموزعي ومستوردي الأدوية، إضافة إلى ثقل المساطر الجمركية والضريبية، وهي كلها عوامل ترفع كلفة الدواء بشكل مبالغ فيه، رغم أن بعض الأدوية مدعمة أو تغطيها صناديق التأمين الصحي.
لكن هذا لا يُبرر، حسب عدد من المتابعين، أن يصل فارق السعر إلى أكثر من 800٪، خصوصا في أدوية أساسية ومصيرية، كالتي تُستعمل لعلاج أمراض الكبد، السرطان، أو الأمراض المزمنة.
ففي دول مثل مصر، الهند أو تركيا، يخضع سوق الأدوية لتسقيف صارم من طرف الدولة، حفاظا على الحق في العلاج، لا على مصالح الأسواق.
أمام هذا الواقع، بدأ بعض المرضى أو ذويهم في التوجه إلى “السوق الرمادية”، عبر اقتناء الأدوية من الخارج – سواء عبر معارف أو وسطاء – وهو ما يحمل في طياته مخاطر حقيقية، تتعلق بجودة الدواء، ظروف نقله وتخزينه، أو حتى احتمالات التزوير.
وفي بلدٍ تعهد دستوره بضمان الحق في الصحة، يجد المواطن المغربي نفسه أمام معادلة مستحيلة، إما أن يدفع الغالي والنفيس مقابل حبة دواء، أو يغامر بصحته عبر حلول خارجية محفوفة بالمخاطر، في غياب تدخل قوي من الجهات الوصية، لإعادة النظر في منظومة تسعير الأدوية.
فهل يُعقل أن يبقى دواء واحد يباع بـ5266 درهما في المغرب، بينما لا يتجاوز 580 درهما في تركيا؟ وهل من المقبول أن تتحول المعاناة مع المرض إلى استنزاف اقتصادي لا يرحم؟
أسئلة مؤلمة تُطرح اليوم بشدة، في انتظار أجوبة واضحة من وزارة الصحة والحكومة، تُعيد الثقة في نظام دوائي لا يُفترض أن يُتاجر في أوجاع الناس.



