مشروع بمليارات الدراهم غير مرئي عند المرضى
حين دُشِّن المستشفى الجامعي محمد السادس بطنجة، بدا وكأنه حلم تحقق لسكان جهة الشمال؛ مشروع ضخم بميزانية بلغت 2,4 مليار درهم، يُفترض أن يُحدث ثورة في العرض الصحي، ويُنهي معاناة التنقل إلى الدار البيضاء والرباط للعلاج.
لكن بعد سنوات من العمل، تتوالى الشهادات التي تكشف واقعا مختلفا تماما عن الصورة الرسمية، يُجمع على أنه واقع هش، يتسم بالفوضى، والخصاص البشري، وغياب الشفافية.
شهادات من الداخل: المريض غائب، والإدارة صامتة
في بداية بحثنا في الموضوع ارتأينا التواصل مع الأطراف الأكثر قربا ومعرفة بخبايا المستشفى، ويتعلق الأمر بالعاملين والعاملات في المجال الجمعوي، إحداهن، والتي فضلت عدم الكشف عن هويتها، فقط حرصا منها على عدم تضرر المرضى المستفيدين من خدماتها ومساعداتها بالمركز الاستشفائي، لخصت الوضع حين سؤالنا إياه عن المستشفى قائلة، “إنّا لله وإنّا إليه راجعون”.
وبررت المتحدثة وصفها بالقول إن “المريض يصل منتصف الليل ويُترك في سيارة الإسعاف لثلاث ساعات أو أكثر، دون استقبال لدرجة أن بعض سائقي الإسعاف باتوا يرفضون القدوم لهذا المستشفى بسبب المعاناة المتكررة”
وتواصل شهادتها قائلة، “لا يوجد تواصل مع العائلة، خاصة في أقسام الإنعاش. لا أحد يخبرك بما يحدث لمريضك، إلا إذا خرج ميتا. أما البروفيسورات، فغائبون.. يقضون أغلب وقتهم في المصحات الخاصة، ويصعب حتى مجرد الحديث معهم”.
اختلالات موثقة… والمحاسبة غائبة
المستشار الجماعي عن الحزب الاشتراكي الموحد، بلال أكوح، وفي حديث لموقع طنجاوة في ذات السياق، اعتبر أن هذا المشروع الذي رُوّج له باعتباره قاطرة صحية للجهة، تحوّل إلى مرفق مثقل بالاختلالات التدبيرية.
وأكد أن الأطر الصحية نفسها نبهت في بيانات ووقفات احتجاجية إلى ما وصفوه بممارسات تمس بصحة المواطنين، مثل تعويض الأطر المؤهلة بعمال شركات المناولة في مهام حيوية، كصرف الأدوية.
كما أشار إلى حادثة اعتقال طبيب وممرض من داخل قسم المستعجلات على خلفية شبهات الاتجار في أدوية موجهة للمرضى، إضافة إلى شكاوى مواطنين تفيد بأن بعض الأطباء يوجهون المرضى نحو عيادات خاصة بدل علاجهم داخل المؤسسة العمومية.
وأضاف أن “عددا من المعدات الطبية الحديثة التي زُود بها المستشفى ما زالت معطلة أو غير مستغلة”، مما يُعد هدرا واضحا للمال العام.
النائب الحسين بن طيب: التجربة على المحك
من جهة أخرى، قدم النائب البرلماني عن حزب التجمع الوطني للأحرار، الحسين بن طيب، قراءة رسمية أكثر هدوءا معتبرا أن جهة طنجة تطوان الحسيمة تخوض تجربة “المجموعة الصحية الترابية” كنموذج وطني، وهو رهان قد يُعمم إذا نجح، وقد يسقط إذا فشل.
ورأى أن إحدى المشكلات الأساسية هي غياب وعي المواطنين بمسار العلاج، داعيا إلى المرور أولا عبر طبيب الحي، ثم المستشفى الإقليمي، قبل الوصول إلى الجامعي، وهو ما من شأنه، حسب قوله، تنظيم الضغط وتيسير تتبع الحالات.
ورفض بن طيب تحميل الأطباء مسؤولية الاختلالات، معتبرا أن الخصاص الهيكلي في الموارد البشرية هو أصل المشكل، وأن الدولة تعمل على تجاوزه عبر تكوين أطر جديدة وتسهيل ولوج الطلبة لكليات الطب.
وأكد أن “أطباء المستشفى الجامعي يقومون بواجبهم على أكمل وجه”، داعيا إلى النظر للقطاع الصحي في شموليته، بما فيه القطاع الخاص، خاصة في ظل تعميم التغطية الصحية على أكثر من 24 مليون مغربي.
عبد العزيز بنعزوز: العراقيل قبل العلاج
عضو حزب الأصالة والمعاصرة ورئيس مقاطعة مغوغة عبد العزيز بنعزوز، اختار تسليط الضوء على صعوبات الولوج والعراقيل التنظيمية داخل المستشفى، مشيرا إلى أن “المشكلة ليست في الأطباء، بل في طريقة التعامل مع المرضى”.
وقال إن شهادات من عائلته ومواطنين أكدوا أن العقبة الكبرى تكمن في “التعامل مع الأمن الخاص، وبعض الإداريين، وحتى وسطاء”، مشددا على أن بلوغ الطبيب أو الحصول على متابعة طبية يتطلب جهدا خارقا وغير مبرر.
وفي المقابل، نوّه بتجارب إيجابية مع الطاقم الطبي، مشيرا إلى أن بعض المرضى تلقوا استشارات متواصلة وذات جودة تفوق ما وجدوه في مصحات خاصة.
المدير يرفض الرد
في إطار هذا التحقيق، اتصل موقع طنجاوة بمدير المستشفى الجامعي الدكتور محمد عكوري، والذي يشغل أيضا منصب مدير المجموعة الصحية الترابية لجهة طنجة تطوان الحسيمة.
لكن الرد كان صادما، إذ رفض الإدلاء بأي تصريح بخصوص الاختلالات المذكورة، بل وأجاب بطريقة يمكن وصفها بأنها غير مهنية ولا تليق بمستوى منصبه كمسؤول عن مؤسسة صحية عمومية كبرى.
هذا التجاهل في حد ذاته، يُعد مؤشرا على أزمة داخلية أعمق، عنوانها الصمت الإداري مقابل تصاعد الاحتجاجات والشكاوى.
سؤال مفتوح… هل من إصلاح قريب؟
في ظل هذه المعطيات المتقاطعة، تبقى الصورة العامة قاتمة. فبين خطابات رسمية تتحدث عن الإصلاح، وواقع ميداني يُوثق الفوضى، يضيع المواطن البسيط في متاهات الانتظار، أو يجد نفسه مجبرا على التوجه للقطاع الخاص، إن استطاع.
ويظل السؤال قائماً، هل نحن أمام مشروع صحي رائد فعلا، أم مجرد بناية ضخمة تخفي أعطابا عميقة؟
وفي انتظار تفاعل الإدارة، يبقى مستشفى طنجة الجامعي عنوانا جديدا لأزمة وطنية في قطاع لا يحتمل التهاون: الصحة.



