قدَّر الله ما شاء، وانقضت حياة أخينا سعيد المداوشي في حادث سير مأساوي في زنجبار (تنزانيا) عن عمر يناهز الثالثة والستين. وقد أصيبت زوجته وابنته وصهره وحفيداه بجروح خطيرة أثناء الحادث الأليم. وخسرنا بوفاته شخصية إسلامية وازنة في بلجيكا، وترك برحيله المفاجئ مكانًا فارغًا يصعب على غيره ملؤه.
وُلد سعيد المداوشي في طنجة (المغرب) سنة 1962، وهاجر وهو صغير مع والديه إلى بلجيكا حيث نشأ وترعرع ودرس، ليدخل فيما بعد مجال العمل الاجتماعي مع الشباب، شباب الجيل الثاني من المهاجرين المسلمين الذين كانوا يعانون من أزمة هوية كانت تؤثّر على أدائهم المدرسي واندماجهم الاجتماعي، فأسس عدة جمعيات ناجحة تُعنى بالشباب وتوجيههم ووضعهم على الجادّة المؤدية إلى المسار الحياتي الناجح.
تعرّفتُ على سعيد المداوشي سنة 1991 عندما اتصل بي ودعاني للترشح لإدارة مجلس استشاري بلدي أنشأته مدينة أنتورب البلجيكية في السنة نفسها لتطوير سياسات خاصة بالمهاجرين المغاربة والأتراك المقيمين في المدينة في البداية (1992 – 1995)، ثم بجميع الجاليات الأجنبية فيما بعد (بعد 1995). كان سعيد المداوشي قد انتُخب رئيسًا للمجلس الاستشاري، وانتُخب شخص تركي نائبًا له. ولأمر ما أراد القائمون على المجلس أن يكون المدير المنسق طرفًا ثالثًا، فوقع الاختيار عليَّ. باشرتُ العمل بداية سنة 1992، وعملتُ خمس سنوات مع سعيد المداوشي لم أر منه في أثنائها موقفًا واحدًا مزعجًا رغم ضغط العمل وظروفه الصعبة. وقد لمست فيه أثناء فترة العمل حرصًا كبيرًا على الشأن العام وسلامة المجتمع وبناء الجسور مع الآخر – أيّ آخر – يتقاسم المهاجرون معه الفضاء الجغرافي والثقافي والاجتماعي.
استمرّت علاقتنا بعد انتهاء مهمته رئيسًا للمجلس وعملي مديرًا له سنة 1997، فقد انتقلتُ أنا إلى التعليم العالي، وانتقل سعيد المداوشي إلى العمل الاجتماعي بشكل عام والعمل الخيري بشكل خاص، فكان يرعى “مسجد الميتالورجي” كما يُسمى أول مسجد في أنتورب وفي بلجيكا، الموجود بجوار معمل الفولاذ في إحدى ضواحي المدينة. وكان هذا المسجد عبارة عن مبنى تابع لكنيسة الحي الواقعة قرب المعمل الذي عمل فيه آلاف العمال المغاربة والأتراك، فوهبه قسيس الكنيسة للمسلمين ليحولوه إلى مسجد يصلّون فيه، إذ لم يكن في المدينة آنذاك مصلى لهم. قابل المسلمون صنيع القسيس باحترام وشكر كبيرين، وحوّلوا المبنى الذي وهبته الكنيسة لهم إلى مسجد. وكان سعيد المداوشي الشخص الذي تابع فيما بعد إجراءات تحويل ملكية المبنى وتحويله إلى مسجد إداريًا وعمليًا حتى اكتمل.
وبما أن العمال المغاربة والأتراك الذين جاؤوا إلى بلجيكا لم يكونوا يخططون للبقاء في الغرب بل للعمل فترة من الزمن وادخار المال ثم العودة إلى ديارهم، فقد نص عقد الهبة على تقديم المبنى للمسلمين لمدة خمسين عامًا. وقد انقضت هذه المدة قبل عشر سنوات من الآن دون أن تطالب الكنيسة باسترداده، لكن سعيد المداوشي قام بحملة تبرعات ناجحة جُمع فيها المال، واشترى المسلمون المبنى (أو بالأحرى الأرض لأن المبنى الأصلي هُدم وأقيم مكانه مسجد) من الكنيسة السنة الماضية، فأصبح المبنى ملكًا للمسلمين في بلجيكا.
كان سعيد المداوشي أيضًا رجل حوار بامتياز ومن بناة الجسور مع الديانات الأخرى، ساعيًا في تحقيق السلم المجتمعي. وقد قوبل جهده بالتقدير على المستوى الرسمي والشعبي، فقد كان من جملة المدعوين لحضور زفاف الأمير فيليب على الأميرة ماتيلدا اللذين أصبحا فيما بعد ملك وملكة بلجيكا الحاليين.
وبالإضافة إلى ذلك، خصَّص سعيد المداوشي آخر خمس عشرة سنة من حياته للعمل الخيري ممثلاً بإنشاء مؤسسة الرحمة لدفن موتى المسلمين في بلجيكا أو خارجها بإعادتهم إلى بلادهم الأصلية. وكان هذا العمل تطوعيًا في الماضي، لكن يُحسب للمرحوم أنه قام بمأسسته بطريقة رسمية في مؤسسة الرحمة، بالتعاون مع الجهات الرسمية في بلجيكا ودول المتوفين. كما طوّر برامج للحج والعمرة في متناول الجميع بعد تحريرها من جشع بعض منظمي الحج والعمرة الذين كانوا يتلاعبون بالأسعار بطرق ملتوية.
تخصّصت مؤسسة الرحمة في العمل الخيري بشكل عام، إلا أن أكثر أعمالها الخيرية كان في توفير الماء في المناطق النائية في المغرب عبر مشاريع صغيرة يمولها المتبرعون في بلجيكا وهولندا ومعظمهم من المغاربة المقيمين في هذين البلدين، بالإضافة إلى المسلمين الآخرين، عبر حفر الآبار وبناء منصات للسقاية عليها. وقد جعل سعيد المداوشي من حفر الآبار خصوصًا في جبال المغرب العالية سنّة حميدة عند مغاربة أوروبا عمومًا وبلجيكا وهولندا خصوصًا، مفادها أن يُبادر أبناءُ المتوفين إلى تمويل حفر بئر وبناء منصة سَقْي عليها صدقةً جاريةً على أرواح آبائهم وأمهاتهم. كما جعل من “القفة الرمضانية” التي تكفي أسرة متوسطة شهرًا كاملاً من الأغذية الأساسية، وكذلك من “أضاحي العيد”، وحفلات “الختان الجماعي” لأطفال الفقراء عادة سنوية لا يتخلف عن تمويلها أحد في هذه البلاد، لا في رمضان ولا في عيد، وذلك لعظيم ثقتهم في المرحوم.
جاء في الأثر: “إن الله إذا أحبَّ عبدًا ابتلاه”. وقد امتحن الله أخانا سعيد المداوشي في السنة الأخيرة من حياته بأمراض شتى كلها خطيرة، ظهرت آثارها عليه في الأشهر الماضية. وكان يرضى بابتلاء الله له بيقين المؤمن الذي يحسن الظن بربّه. لقد كان سعيد المداوشي مسلمًا مؤمنًا يحب الخير للجميع بغض النظر عن خلفياتهم الدينية والقومية، وكان مغربيًا من مغاربة العالم محبًا لبلده الأصلي المغرب ولبلجيكا مخلصًا لهما، غير مدّخر أي جهد في خدمتهما. وكان مثالاً للمسلم الصالح وخير سفير للإسلام في بلاد غير المسلمين.
ولعلّ الله أراد به الخير باصطفائه إليه دون أن يعاني من ألم الأمراض التي كان يشتكي منها في آخر أيام حياته، فقد شاهدته قبل وفاته بأسبوعين في مدينة طنجة، وقد ترك المرض أثرًا واضحًا على وجهه؛ مع ذلك لم تكن ابتسامته الجميلة تفارق محياه.
رحم الله أخانا سعيد المداوشي. ودَّعتُه يوم السبت الماضي بقبلة على جبينه قبل نقل جثمانه إلى طنجة ليُوارى الثرى فيها يوم الأربعاء المقبل، ورأيتُ في أثناء ذلك وجهًا يشع منه النور، وتفوح منه رائحة أهل الجنة إن شاء الله.


