في حلقة جديدة من سلسلة “قصص من المستشفى الجامعي بطنجة”، نعود اليوم إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية داخل المؤسسة؛ احتجاجات الممرضين وتقنيي الصحة؛ الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة مباشرة مع أولى خطوات تنزيل “المجموعة الصحية الترابية” التي يشرف عليها مدير المستشفى الجامعي.
القصة هذه المرة ليست رواية لأسرة متضررة، ولا شهادات من مرضى ينتظرون مواعيد طويلة؛ بل صرخة مهنية خالصة، قادمة من قلب الأطر التمريضية التي تشكل العمود الفقري للخدمات الصحية.
فوفق بيان جهوي صادر عن النقابة المستقلة للممرضين بجهة طنجة تطوان الحسيمة، فإن عملية حصر لوائح التعيينات داخل المجموعة الصحية جرت “بشكل انفرادي”، مع استثناء 15 منصبا من لوائح الاختيار، في خطوة اعتبرتها النقابة “ضربا صارخا لمبدأ الاستحقاق”.
النقابة تؤكد أن هذه الخطوة جاءت في غياب تام للّجنة الجهوية ودون أي تنسيق مع ممثلي الشغيلة التمريضية، وهو ما اعتُبر بداية مرتبكة لمنظومة كان يفترض أن تقوم على الشفافية والمنهج التشاركي.
يصوغ الممرضون غضبهم بكلمات واضحة؛ “الإصلاح المتحدث عنه لا يصلنا إلا كتراجع”. فبحسب شهادات مهنيين تحدثوا خلال الوقفة، فإن وضعيتهم الإدارية والمالية التي كانت مكفولة داخل وزارة الصحة، تتعرض اليوم لما يشبه “المحو التدريجي”، بدءا من إشكاليات التعويضات إلى توقف منحة المردودية، وصولا إلى الارتباك في تنزيل تعويضات الحراسة والإلزامية رغم التزام الوزارة بذلك في اتفاق 23 يونيو 2024.
أحد أكثر النقاط حساسية هو ما تصفه النقابة بـ“الاحتجاز غير المعلن” للممرضين داخل المجموعة الصحية، بعد التأكيد أن الحركة الانتقالية لسنة 2025 ستكون الأخيرة، وأن النظام الجديد يمنع الانتقالات مستقبلاً إلا بشروط غير واضحة، الأمر الذي اعتبرته الشغيلة “اعتداء على حق أساسي في المسار المهني”.
الممرضون العاملون في المستشفى الجامعي يصفون بيئة العمل بـ“المرهقة” مع نقص الموارد البشرية، ضغط المداومة الليلية، الأعياد والعطل؛ وفي المقابل، غياب أي تحفيز مالي أو مهني يعترف بجهودهم، بل وحرمانهم من منحة المردودية التي كانت تُصرف طيلة السنة.
انسداد الحوار وعدم تجاوب الإدارة دفع المكتب الجامعي والمكتب الجهوي إلى إعلان برنامج نضالي مفتوح، يبدأ بوقفة احتجاجية داخل المستشفى الجامعي، ويتجه نحو محطة وطنية أمام وزارة الصحة بالرباط يوم 11 نونبر 2025.
في هذه الحلقة من “قصص من المستشفى الجامعي بطنجة”، لا نتتبع معاناة المرضى هذه المرة، بل نستمع إلى صوت أولئك الذين يعالجونهم. صوتٌ يقول إن الإصلاح فقد بوصلته، وإن الأطر التمريضية التي حملت المنظومة على كتفيها لسنوات، تشعر اليوم أن كل ما راكمته من مكتسبات “يوضع على الرف”.
ويبقى السؤال مفتوحا؛ هل ستستمع الوزارة إلى هذا الغضب قبل أن يتحوّل إلى أزمة حقيقية داخل المؤسسة التي يفترض أن تكون نموذجا للإصلاح الصحي في الشمال؟



