مع توالي حوادث انهيار المنازل في عدد من المدن المغربية، ومع هطول أولى زخات المطر التي تعيد في كل موسم فتح جرح لم يندمل، ترتفع المخاوف في طنجة من تكرار سيناريو فاس الذي هز الرأي العام وأعاد ملف البنايات الآيلة للسقوط إلى واجهة النقاش الوطني.
فبين أزقة المدن العتيقة وعمارات الأحياء القديمة، تقف آلاف البنايات على حافة الخطر، بعضها قاوم الزمن دون أن يقاوم الإهمال، وبعضها لم يعد يحتمل مزيدا من التأجيل.
وفي هذا السياق المقلق، يطرح سؤال جوهري نفسه؛ هل تمتلك الجماعات الترابية والمؤسسات المختصة ما يكفي من الإمكانيات والخبرة لتفادي كارثة مشابهة في طنجة؟ وهل الإجراءات الحالية تواكب حجم التدهور الذي تتعرض له البنايات، خاصة في الأنسجة العتيقة المكتظة بالسكان؟
هذه الأسئلة وغيرها يجيب عنها الخبير في البيئة والتنمية والعمارة الإسلامية أحمد الطلحي، الذي يقدم تشخيصا دقيقا للحالة القائمة، ويرسم ملامح خريطة طريق قد تكون مفتاحا لحماية الأرواح وصون الذاكرة العمرانية للمدن المغربية.
بداية كيف تقيّمون تجربة المغرب في معالجة الدور الآيلة للسقوط؟
الطلحي: المغرب راكم تجربة طويلة في مجال التدخل في البنايات المهددة بالانهيار، سواء في المدن العتيقة أو في الأنسجة العمرانية الأقدم. من أبرز التجارب الرائدة تجربة وكالة التنمية ورد الاعتبار لمدينة فاس، التي انطلقت في أوائل ثمانينيات القرن الماضي بقيادة المهندس عبد اللطيف الحجامي، أحد أعمدة العمارة الإسلامية بالمغرب ومؤسس المدرسة الوطنية للهندسة المعمارية بالرباط. هذه التجربة شكلت مرجعا وطنيا في كيفية صيانة التراث العمراني.
وفي السنوات الأخيرة، ظهرت تجربة حديثة ومهمة تتمثل في الوكالة الوطنية للتجديد الحضري وتأهيل المباني الآيلة للسقوط، التي تعنى بالبنايات التاريخية والحديثة على حد سواء. لكن رغم توفر الخبرة التقنية، فإن الإشكال الحقيقي يكمن في محدودية الإمكانيات المادية والبشرية، إلى جانب الحاجة لتعميم الخبرة على المقاولات ومكاتب الدراسات.
ما هي الأولويات والمعايير التي تحدد نوعية التدخل في أي بناية؟
الطلحي: هناك أربع مؤشرات أساسية نعتمد عليها:
- الحالة الفيزيائية للبناية: هل التدهور بسيط، متوسط، أم أن الانهيار وشيك؟
- القيمة المعمارية: بسيطة، متوسطة، أم كبيرة؟
- القيمة الثقافية والفنية: حسب درجاتها الثلاث.
- القيمة التاريخية: بدرجاتها نفسها.
وبناء على هذه المعطيات، نحدد نوع التدخل المناسب، والذي قد يكون:
- التجديد (Rénovation): هدم كلي أو جزئي ثم إعادة البناء.
- التدعيم (Consolidation): دعم وتقوية العناصر البنيوية الأساسية.
- رد الاعتبار (Réhabilitation): تجهيز البناية وإصلاحها.
- الترميم (Restauration): تدخلات دقيقة تشبه العمليات الجراحية، للحفاظ على الخصائص الأصلية ومكونات البناية.
وفي جميع الحالات، تُعطى الأولوية للسكان القاطنين، عبر إيوائهم مؤقتا في بنايات مناسبة ثم إرجاعهم إلى مساكنهم بعد انتهاء الأشغال، مع إعادة إسكان الفائض في حال ضيق المساحة. وهذه العملية تُسمى “تخفيض الكثافة السكانية”.
لماذا تتسارع وتيرة الانهيارات في المدن العتيقة خصوصا مع فصل الأمطار؟
الطلحي: نحن أمام تراث معماري ضخم يتكون من أكثر من 30 مدينة عتيقة ومئات القصور والقصبات والقرى المحصنة، ويسكنه ملايين المغاربة. هذا التراث يشكل رافعة اقتصادية مهمة، لكنه يعاني من تسارع في وتيرة التدهور بسبب عاملين أساسيين:
- ارتفاع الكثافة السكانية بشكل كبير داخل المدن العتيقة، مقارنة بما كانت عليه سابقاً.
- غياب أو ضعف الصيانة والإصلاح، لأنهما مكلفان ويتطلبان مواد وتقنيات تحترم الخصائص التراثية.
لذلك، الحل يقوم على خفض الكثافة السكانية عبر إعادة توطين جزء من الأسر خارج الأنسجة القديمة مع تحفيزات مالية، بالإضافة إلى توفير آليات دعم مالي وتقني لعمليات الصيانة، وإلا فإن تدهور البنايات سيستمر بوتيرة أسرع، خصوصا مع الأمطار التي تكشف كل هشاشة.
في ضوء ما شهدته فاس، ما الدروس التي يجب على طنجة استخلاصها لتفادي كوارث مشابهة؟
الطلحي: أهم درس هو التشخيص المبكر والتحرك الاستباقي. يجب تقييم حالة البنايات الأكثر هشاشة قبل موسم الأمطار، خصوصا في المدينة العتيقة والأحياء التي تعرف كثافة سكانية كبيرة. كما يجب تعزيز قدرات الفرق التقنية وتوفير ميزانيات تسمح بإطلاق تدخلات عاجلة دون انتظار وقوع الحوادث.
الأمر الثاني هو توجيه الموارد نحو البنايات التي تُظهر مؤشرات خطيرة، مع إيواء الأسر القاطنة بشكل آمن. كما يجب الاستثمار أكثر في برامج الصيانة الدورية، لأن كلفة الإصلاح قبل الانهيار أقل بكثير من كلفة الإنقاذ بعد وقوعه.
كيف يمكن تحويل هذه المقاربة إلى سياسة عامة مستدامة تمنع تكرار الانهيارات؟
الطلحي: الأمر يحتاج إلى رؤية بعيدة المدى، تشمل:
- وضع برنامج وطني مستدام لتخفيض الكثافة السكانية في المدن العتيقة.
- تخصيص صندوق مالي دائم للصيانة والترميم.
- تعميم الخبرة التقنية على جميع المدن وليس على فاس والرباط فقط.
- اعتماد عمليات تشخيص مستمرة بدل التدخل بعد وقوع الكوارث.
- منح تحفيزات مالية وتقنية للسكان للقيام بأعمال الصيانة.
إذا توفرت هذه الشروط، يمكن للمغرب حماية سكانه وصون تراثه وفي الوقت نفسه تحويل هذا التراث إلى رافعة تنموية لا إلى مصدر خطر.



