رغم الدينامية العمرانية الكبيرة التي تعرفها مدينة طنجة خلال السنوات الأخيرة، وما يشهده المجال الحضري من مشاريع كبرى وإعادة تأهيل لأحياء متعددة، ما تزال بعض المناطق تعيش خارج منطق التنمية، حيث تتحول شعارات “المدينة الصاعدة” إلى مفارقة حادة أمام واقع اجتماعي صعب يعيشه السكان في أحياء هامشية، من بينها حي البركاني بمنطقة الرهراه.
هذا الحي، الذي يوجد ضمن نطاق حضري يشهد توسعاً عمرانياً متسارعاً، لا يزال يعاني من غياب خدمات أساسية تُعتبر من أبسط حقوق العيش الكريم، وعلى رأسها الماء الصالح للشرب وشبكة الصرف الصحي، في وضع يطرح أكثر من سؤال حول نجاعة التخطيط الترابي وعدالة توزيع البنيات التحتية داخل المدينة.
أزمة خدمات أساسية في قلب المجال الحضري
تفيد معطيات توصل بها موقع طنجاوة أن عدداً من الأسر بحي البركاني ما زالت غير مربوطة بشبكة الماء الشروب، ما يفرض عليها الاعتماد على حلول بديلة مرهقة مادياً ولوجستياً، في وقت يُفترض فيه أن هذا المرفق الحيوي متوفر بشكل طبيعي داخل المجال الحضري.
كما يعيش الحي على وقع غياب شبه كلي لشبكة التطهير السائل، حيث تُستعمل حفر تقليدية ومطمورات فردية، وهو ما يثير مخاوف بيئية وصحية متزايدة، خصوصاً مع ما قد ينجم عن ذلك من تسربات تهدد التربة والفرشة المائية، إضافة إلى الروائح الكريهة وتكاثر الحشرات، في بيئة لا تليق بمدينة من حجم طنجة ومكانتها.
من يتحمل المسؤولية؟ تشابك الاختصاصات وتأخر الحلول
في مثل هذه الحالات، لا يمكن إغفال تشابك المسؤوليات بين عدة متدخلين في تدبير الشأن المحلي. فالجماعة الترابية تتحمل جزءاً مهماً من المسؤولية باعتبارها الجهة المخططة والمبرمجة للبنيات التحتية داخل ترابها، في حين تُسند مهام التوزيع والتدبير التقني للماء والتطهير إلى الجهات المفوض لها تدبير هذه المرافق، تحت إشراف السلطات المختصة.
كما يبرز دور المصالح الإقليمية والجهوية في برمجة وتمويل مشاريع التهيئة، خاصة تلك المتعلقة بتوسيع الشبكات الأساسية داخل الأحياء الناقصة التجهيز، وهو ما يجعل أي تأخر في التنسيق أو التمويل أو التنفيذ سبباً مباشراً في استمرار هذه الاختلالات.
غير أن ما يثير التساؤل في هذا السياق هو استمرار هذه الوضعية رغم توالي الشكايات والمراسلات التي يؤكد السكان أنهم وجهوها لسنوات، دون أن تترجم إلى تدخلات ميدانية حاسمة، وهو ما يعمق الإحساس بالتهميش وفقدان الثقة في جدوى المساطر الإدارية.
هل يعقل أن طنجة تعاني من هذا النوع من الخصاص؟
السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل من المنطقي أن مدينة بحجم طنجة، التي تُقدَّم كنموذج للتوسع العمراني والاستقطاب الاستثماري، لا تزال تضم أحياء داخل مجالها الحضري تفتقر إلى الماء الصالح للشرب وشبكات التطهير؟
هذا التناقض بين المشاريع الكبرى والواقع اليومي لبعض الأحياء يسلط الضوء على إشكال أعمق يتعلق بعدالة التنمية المجالية، حيث لا يكفي بناء الطرق والواجهات الحضرية، إذا كان جزء من الساكنة لا يزال يواجه مشاكل مرتبطة بالضروريات الأساسية للعيش.
مطلب مستعجل وليس خياراً مؤجلاً
ساكنة حي البركاني بالرهراه تطالب اليوم بتدخل عاجل يقوم على برمجة واضحة ومحددة زمنياً لربط الحي بشبكة الماء الشروب، وإدماجه بشكل فعلي ضمن مخططات إعادة الهيكلة، مع تسريع إنجاز شبكة الصرف الصحي، باعتبار ذلك أولوية صحية وبيئية لا تقبل التأجيل.
إن استمرار هذا الوضع لا يطرح فقط إشكالاً اجتماعياً، بل يضع أيضاً تحدياً حقيقياً أمام نموذج التنمية الحضرية المعتمد، ويعيد فتح النقاش حول مدى شمولية السياسات العمومية في توزيع الخدمات الأساسية داخل المدن الكبرى.
في النهاية، تبقى طنجة مدينة تتقدم بسرعة، لكن سرعة التقدم لا تُقاس فقط بالمشاريع الكبرى، بل أيضاً بقدرتها على ألا تترك خلفها أحياء تعيش خارج زمن التنمية.


