لم تعد تداعيات موجة العبور الجماعي نحو مدينة سبتة المحتلة تقتصر على أرقام المهاجرين أو حصيلة الضحايا، بل بدأت تكشف عن معطيات غير مسبوقة تمس مؤسسات يفترض أنها تشكل جزءا من منظومة تدبير الشأن المحلي. فبعد أيام قليلة من انتهاء الأحداث، تتوالى المعلومات حول مغادرة موظفين وأعوان سلطة وعمال مرافق عمومية نحو الثغر المحتل، في تطور يطرح أسئلة عميقة حول حجم الأزمة التي عاشتها مدينة الفنيدق، ومدى تأثيرها على المرافق والخدمات الأساسية.
ووفق معطيات متطابقة، فإن أربعة من أعوان السلطة التابعين لباشوية الفنيدق تمكنوا من العبور إلى سبتة خلال اليومين الماضيين، ولم يكونوا ضمن الأشخاص الذين عادوا إلى المغرب، سواء بشكل طوعي أو في إطار عمليات الإرجاع التي باشرتها السلطات المغربية والإسبانية.
وتفيد المعطيات ذاتها بأن بعض هؤلاء الأعوان راكموا سنوات طويلة من الخدمة داخل هذا السلك، ما يجعل مغادرتهم تحمل دلالات تتجاوز مجرد قرار فردي، وتفتح الباب أمام تساؤلات حول الظروف التي دفعت موظفين مكلفين بتطبيق القانون إلى الانضمام إلى موجة الهجرة غير النظامية.
ولم تقف الظاهرة عند هذا الحد، إذ كشفت مصادر من عمالة المضيق-الفنيدق عن تسجيل ثلاث حالات أخرى تخص أعوان سلطة تابعين لباشوية المضيق. وتشير المعلومات إلى أن هؤلاء كانوا ضمن فريق يقوده أحد القواد للمساهمة في تأمين محيط المعبر الحدودي خلال ذروة تدفق المهاجرين، غير أنهم استغلوا حالة الارتباك والفوضى التي رافقت الأحداث، وعبروا بدورهم إلى سبتة، تاركين المسؤول الترابي مرفوقا بعون سلطة واحد فقط.
وتعكس هذه الواقعة مفارقة لافتة، إذ إن بعض الأعوان الذين غادروا كانوا، في إطار مهامهم اليومية، مكلفين بتتبع ملفات الهجرة غير النظامية ورصد تحركات المرشحين للهجرة، قبل أن يصبحوا هم أنفسهم جزءا من أكبر موجة عبور شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
وفي المقابل، امتدت تداعيات الأزمة إلى قطاعات خدمية أخرى، بعدما أكدت مصادر من الشركة المفوض لها تدبير قطاع النظافة أن نحو عشرين عاملا غادروا بدورهم إلى سبتة، مشيرة إلى أن بعضهم توجه نحو المعبر وهو يرتدي لباس العمل، في مشهد يعكس حجم الارتباك الذي عاشته المدينة خلال تلك الساعات.
وتسببت هذه المغادرة الجماعية في إرباك واضح لسير عدد من المرافق والخدمات المحلية، حيث تعيش الفنيدق حاليا خصاصا ملحوظا في اليد العاملة داخل المطاعم والمحلات التجارية ومؤسسات الخدمات، بعدما غادر عدد كبير من المستخدمين نحو سبتة، بينما عاد عدد محدود فقط، وهو ما حال دون استئناف العديد من الأنشطة التجارية بشكل طبيعي.
وتعيد هذه التطورات فتح النقاش حول التداعيات الاجتماعية والاقتصادية التي خلفتها موجة العبور الجماعي، والتي لم تقتصر على الأسر التي فقدت أبناءها أو على الخسائر الأمنية والإنسانية، بل امتدت إلى استنزاف الموارد البشرية داخل مرافق يفترض أن تؤمن استمرارية الخدمات العمومية واليومية.
وتطرح الوقائع المتواترة أسئلة مشروعة حول كيفية تمكن موظفين وأعوان سلطة، كانوا ضمن فرق التأمين والمراقبة، من مغادرة مواقع عملهم والعبور إلى سبتة خلال لحظات الفوضى، وما إذا كانت الجهات المختصة ستفتح تحقيقا إداريا لتحديد المسؤوليات وترتيب الآثار القانونية والإدارية المترتبة عن هذه الحالات.
وبينما تستمر عمليات حصر الأضرار البشرية والمؤسساتية التي خلفتها موجة العبور، يبدو أن المدينة ما زالت تعيش ارتدادات واحدة من أكثر الأزمات تعقيدا في تاريخها الحديث، أزمة لم تكتف بكشف هشاشة الوضع الاجتماعي، بل طالت أيضا بعض الفئات التي كانت حتى وقت قريب جزءا من منظومة تدبير هذه الأزمة نفسها.



