ليست كل المعارك الانتخابية تبدأ يوم انطلاق الحملة. بعضها يبدأ قبل ذلك بكثير، في الكواليس، حيث تتحرك الأسماء بحثا عن التزكية، وتتحرك الأحزاب بحثا عن مرشحين قادرين على جلب الأصوات.
وفي دائرة طنجة-أصيلة، بدأ هذا الحراك يكشف وجها آخر من وجوه المنافسة التشريعية المقبلة: عودة تنظيمات حزبية إلى الواجهة بعد حضور باهت أو محدود خلال المرحلة السابقة، وكأن عقارب الحياة السياسية لا تتحرك بالنسبة إليها إلا عندما تقترب صناديق الاقتراع.
المشهد يستحق التوقف.
فبينما تنخرط الأحزاب ذات الحضور القوي في الاستعداد المبكر للاستحقاقات، تظهر أسماء أخرى مرتبطة بتنظيمات لا تحتل موقعا بارزا في النقاش السياسي المحلي، لكنها تجد طريقها مجددا إلى واجهة السباق الانتخابي.
والسؤال هنا ليس من يحق له الترشح، فذلك حق قانوني لا جدال فيه.
السؤال الأكثر إزعاجا هو: ماذا تفعل هذه الأحزاب عندما لا تكون هناك انتخابات؟
فجأة.. تظهر اللوائح
في دائرة طنجة-أصيلة، بدأت أسماء بعض التنظيمات في الخروج إلى العلن.
حزب الإنصاف اختار حنان لوقد وكيلة للائحته تحت رمز التفاحة، وحزب النهضة دخل السباق بمصعب الصمدي تحت رمز الديك.
حزب الاتحاد المغربي الديمقراطي رشح أيوب الصادقي تحت رمز الدلفين، فيما اختارت الحركة الديمقراطية الاجتماعية محمد اليماني تحت رمز النخلة، بينما يخوض الحزب الديمقراطي الوطني المنافسة بمحمد حسن مولعي تحت رمز المظلة و عمر العباس تحت رمز الإبهام المرفوع.
أسماء جديدة في واجهة السباق، ورموز انتخابية ستظهر على أوراق الاقتراع.
لكن وراء هذه الصورة الرسمية توجد أسئلة لا تجيب عنها اللوائح وحدها.
كم من هذه التنظيمات ظل حاضرا في طنجة-أصيلة بين انتخاب وآخر؟
كم منها اشتغل على ملفات السكان؟ كم منها نظم لقاءات سياسية منتظمة؟ كم منها كان له موقف واضح من قضايا المدينة؟ وكم منها لم يظهر اسمه إلا عندما بدأت ساعة الانتخابات في العد التنازلي؟
هذه ليست أسئلة اتهامية، بل هي المعايير التي يفترض أن يخضع لها أي حزب يريد إقناع الناخب بأنه أكثر من مجرد لائحة انتخابية.
عندما تصبح التزكية عنوانا للحضور
في المواسم الانتخابية، تتحول التزكية إلى عملة سياسية ثمينة.
مرشح يريد اسما حزبيا يخوض تحته المنافسة، وحزب يريد اسما يستطيع أن ينافس به.
ومن هنا تبدأ لعبة المصالح الانتخابية.
الحزب يمنح الغطاء، والمرشح يمنح الحضور والأصوات.
لكن ماذا يحدث عندما يصبح المرشح أقوى من الحزب الذي يترشح باسمه؟
وهل يستطيع حزب محدود الحضور تنظيميا أن يتحول، بين ليلة وضحاها، إلى قوة انتخابية فقط لأنه وجد اسما معروفا أو مرشحا يملك شبكة علاقات واسعة؟
إذا كان الأمر كذلك، فإن الانتخابات لا تعكس بالضرورة قوة التنظيمات السياسية بقدر ما تعكس قوة الأشخاص الذين يحملون ألوانها.
وهنا تحديدا تكمن واحدة من أكثر مفارقات المشهد الانتخابي إثارة للنقاش.
«دكان انتخابي» أم حزب صغير؟
في الشارع السياسي، توجد أوصاف قاسية من قبيل «الدكاكين السياسية» و«الأحزاب المجهرية».
هذه العبارات ليست حقائق قانونية، لكنها تعكس غضبا سياسيا لدى فئة من المتابعين الذين يرون أن كثرة التنظيمات لا تعني بالضرورة تعددية سياسية حقيقية.
فالتعددية تصبح ذات معنى عندما تتنافس مشاريع وبرامج وأفكار.
أما إذا تحولت المنافسة إلى مجرد تكاثر للوائح، فإن السؤال يصبح مشروعا:
هل نحن أمام تعددية سياسية حقيقية، أم أمام تعددية في عدد الرموز والأسماء فقط؟
والفارق بين الأمرين كبير.
أين البرامج؟
المواطن لا يحتاج إلى عشرات الشعارات.
يحتاج إلى إجابات واضحة حول السكن، النقل، التشغيل، البنية التحتية، الصحة، التعليم، الاستثمار، والعدالة المجالية.
ويحتاج أيضا إلى معرفة ماذا سيقدم المرشح الذي يطلب صوته، ومن يقف خلفه، وما المشروع الذي يمثله.
لهذا، فإن مجرد الظهور في الانتخابات لا يمنح أي حزب صك الشرعية السياسية.
الشرعية الانتخابية تُكتسب بالأصوات، لكن المصداقية السياسية تُبنى بالعمل المتواصل.
وهنا ستواجه التنظيمات الصغيرة في طنجة-أصيلة أصعب اختبار لها: هل تمتلك فعلا ما تقوله للناخب، أم أن حضورها سيختزل في صورة مرشح ورمز انتخابي ووعود موسمية؟
خمسة مقاعد.. ومئات الحسابات
المعركة على المقاعد البرلمانية الخمسة المخصصة لدائرة طنجة-أصيلة لن تكون سهلة.
الأحزاب الكبرى تدخل السباق وهي تملك هياكل انتخابية وتجارب سابقة وقواعد من الناخبين، بينما تراهن التنظيمات الأصغر على قدرتها على إحداث اختراق في خريطة تبدو صعبة.
لكن الانتخابات لا تعترف بالحجم وحده.
قد يفاجئ حزب صغير الجميع.
وقد ينهار حزب كبير أمام صناديق الاقتراع.
وقد ينجح مرشح في جر حزبه إلى نتيجة لم يكن يحلم بها.
وقد يحدث العكس تماما: يحصل الحزب على حضور إعلامي وانتخابي، ثم يكتشف ليلة النتائج أن الناخبين لم يقتنعوا به.
السؤال الذي سيبقى بعد الانتخابات
المشكلة ليست في أن تفوز هذه الأحزاب أو تخسر.
المشكلة الحقيقية هي ماذا ستفعل بعد ذلك.
إذا حصلت على مقعد، هل ستصبح قوة رقابية وتشريعية حقيقية؟ وإذا لم تحصل عليه، هل ستواصل نشاطها في طنجة وأصيلة؟ هل ستبقى مقراتها وأطرها حاضرة؟ هل ستعود إلى الاشتغال على قضايا السكان؟ أم ستغلق الصفحة إلى حين اقتراب انتخابات جديدة؟
هنا فقط يمكن معرفة ما إذا كنا أمام أحزاب سياسية أم أمام مشاريع انتخابية مؤقتة.
فالحزب الذي لا يعيش إلا خلال الانتخابات يعيش على إيقاع الصندوق، وليس على إيقاع المجتمع.
طنجة-أصيلة ستكشف المستور
الانتخابات المقبلة لن تكون اختبارا للمرشحين فقط.
ستكون أيضا اختبارا للأحزاب التي قررت دخول السباق.
التفاحة، الديك، الدلفين، النخلة والمظلة ستظهر كلها على ورقة الاقتراع، لكن الناخب لن يصوت للرمز وحده.
سيصوت للاسم، وللحزب، وللصورة التي يحملها عن المرشح، وللثقة التي استطاع التنظيم أن يبنيها خلال السنوات الماضية.
وفي نهاية المطاف، قد تنجح بعض هذه التنظيمات في قلب الحسابات، وقد تخرج من السباق بأصوات محدودة.
لكن هناك سؤالا واحدا سيظل قائما مهما كانت النتائج:
هل جاءت هذه الأحزاب إلى طنجة-أصيلة لخوض انتخابات واحدة، أم جاءت لبناء حضور سياسي يستمر إلى الانتخابات التي تليها؟
لأن الاختفاء بعد فرز الأصوات سيكون، بالنسبة إلى منتقديها، أقوى من أي خطاب انتخابي دليلا على موسمية الحضور.
أما إذا بقيت في الميدان، واشتغلت، وراقبت، واقترحت، وواجهت، وتواصلت مع المواطنين حتى بعد انتهاء المعركة، فحينها فقط سيكون من الصعب وصفها بأنها مجرد «أحزاب موسمية».
الصندوق سيحدد الفائزين، لكن ما بعد الصندوق سيحدد من كان حزبا فعلا.



