لم تكن بداية الدحمان المزرياحي، وكيل لائحة حزب التقدم والاشتراكية بدائرة طنجة–أصيلة، هادئة ولا مقنعة بالقدر الذي كان ينتظره الحزب في سباق انتخابي شديد التنافس، بعدما تراكمت منذ انطلاق الحملة أكثر من علامة استفهام حول الخطاب الذي اختاره المرشح، وحول بعض المعطيات التي رافقت تقديم لائحته، فضلاً عن الجدل الذي خلفته تصريحات موثقة صدرت خلال تحركات انتخابية محسوبة على حملته.
المزرياحي دخل السباق بخطاب يضع التصنيع وجلب الاستثمار وخلق فرص الشغل ضمن واجهة عرضه الانتخابي، غير أن هذا المدخل بدا منذ البداية بعيداً عن الأولويات الجديدة لمدينة تحولت منذ سنوات إلى واحدة من أهم القلاع الصناعية واللوجستيكية بالمملكة.
فطنجة لم تعد مدينة تبحث عن أول مصنع أو تنتظر من يفتح لها أبواب الاستثمار. المدينة قطعت أشواطاً كبيرة في هذا المجال، وأصبحت مرتبطة بمنظومة طنجة المتوسط وبشبكة واسعة من الشركات والمناطق الصناعية وسلاسل الإنتاج الموجهة للأسواق الدولية.
وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: هل دخل المزرياحي معركة طنجة من بابها الصحيح؟
فالحديث اليوم عن التصنيع داخل مدينة صناعية أصلاً لا يكفي لصناعة عرض انتخابي قادر على إقناع ناخب باتت أسئلته مختلفة؛ من مستوى الأجور إلى استقرار الشغل، ومن النقل نحو المناطق الصناعية إلى غلاء السكن، مروراً بالصحة والتعليم والبنيات التحتية ومدى انعكاس الثروة التي تنتجها طنجة على الحياة اليومية لسكانها.
غير أن ارتباك انطلاقة لائحة التقدم والاشتراكية لم يتوقف عند حدود مضمون البرنامج الانتخابي.
فوصيف اللائحة، البقالي، وجد بدوره نفسه في قلب جدل يتعلق بالصفة المهنية التي تم تقديمه بها، بعدما جرى تداول وصفه بكونه «مسؤولاً بميناء طنجة المتوسط »، في وقت تشير المعطيات المتوفرة إلى أنه يشتغل داخل شركة خاصة تنشط بالمجال المينائي، وليس مسؤولاً بالميناء بالمعنى المؤسساتي الذي قد يفهمه المتلقي من هذه الصفة.
وهنا لم تعد المسألة مجرد اختيار لغوي عابر في ورقة تعريفية بمرشح، بل تحولت إلى سؤال حول دقة المعطيات التي تقدم بها اللائحة نفسها أمام الرأي العام.
فالانتخابات، قبل أن تكون سباقاً نحو الأصوات، هي أيضاً امتحان للمصداقية، وأي تضخيم أو غموض في تقديم الصفة المهنية لمرشح يفترض أن يقابله توضيح صريح للرأي العام: ما هي صفته المهنية الدقيقة؟ وما طبيعة المؤسسة التي يشتغل بها؟ وهل يتعلق الأمر فعلاً بمسؤولية داخل ميناء طنجة أم بوظيفة داخل شركة خاصة تزاول نشاطها هناك؟
هذا الجدل وضع حملة المزرياحي أمام بداية كان يمكن تفاديها لو جرى تقديم المعطيات المهنية للمرشحين بالدقة المطلوبة، خصوصاً في استحقاق انتخابي تصبح فيه كل كلمة وكل معلومة جزءاً من صورة اللائحة ومصداقيتها أمام الناخب.
ولم تمض الحملة بعيداً حتى انفجر جدل آخر أكثر حساسية، وهذه المرة بسبب خطاب استهدف حزب العدالة والتنمية.
فقد أظهر فيديو متداول وموثق من إحدى التحركات الانتخابية لحزب التقدم والاشتراكية بطنجة صدور عبارة في حق العدالة والتنمية مفادها: «العدالة والتنمية هما لي تمشي للبيران تجبروم»، في إشارة مباشرة إلى الحانات.
وهي العبارة التي نقلت التنافس من مواجهة البرامج والأفكار إلى مستوى آخر، وفتحت النقاش حول أخلاقيات الحملة الانتخابية وحدود الخطاب الموجه ضد الخصوم السياسيين.
فأن تختلف الأحزاب حول الاقتصاد أو التشغيل أو تدبير المدينة أمر طبيعي في أي استحقاق انتخابي، لكن تحويل الحملة إلى مجال للتجريح والإيحاءات التي تمس الخصم السياسي يطرح سؤالاً جدياً حول مستوى النقاش الذي يراد للانتخابات أن تسير فيه.
وبذلك يجد المزرياحي نفسه، في بداية السباق، أمام ثلاث جبهات دفعة واحدة: برنامج محلي يواجه سؤال مدى ملاءمته لواقع طنجة، وجدلاً حول دقة الصفة المهنية لوصيف لائحته، ثم فيديو أثار انتقادات بسبب الإساءة إلى منافس سياسي بدل مواجهته بالبرامج.
وهي عناصر تجعل من انطلاقة التقدم والاشتراكية بطنجة أبعد ما تكون عن البداية المثالية التي يحتاجها أي مرشح يسعى إلى فرض نفسه وسط منافسة قوية على مقاعد دائرة طنجة–أصيلة.
فالناخب لا يحاسب المرشح فقط على ما يعد به، بل أيضاً على طريقة تقديم نفسه، ودقة المعلومات التي يضعها أمام الناس، وطبيعة اللغة التي يعتمدها فريقه في مواجهة منافسيه.
ومن هنا، يبدو أن المزرياحي لم يدخل السباق من بابه الصحيح؛ فبدل أن تبدأ حملته بفرض برنامج محلي قوي ومختلف، وجدت نفسها منشغلة بتبرير اختيارات خطابية، ومواجهة أسئلة حول صفة أحد مرشحيها، واحتواء تداعيات كلام مسيء لخصم سياسي.
وفي سباق انتخابي لا يرحم الأخطاء، قد تصبح البداية المرتبكة عبئاً يصعب التخلص منه كلما اقترب موعد الاقتراع.



