كشف تقرير حديث صادر عن معهد تحليل العلاقات الدولية (IARI) أن المصالح الاقتصادية والتجارية المشتركة بين المغرب وإسبانيا تساهم في الحد من احتمالات التصعيد بين البلدين، رغم استمرار الخلافات بشأن سبتة ومليلية والهجرة وترسيم الحدود البحرية، إلى جانب التفاوت القائم في قدراتهما العسكرية.
وأبرز التقرير، الذي تناول موازين القوة والتنافس الاستراتيجي في غرب البحر الأبيض المتوسط، أن العلاقات بين الرباط ومدريد تقوم على تعاون اقتصادي وأمني واسع، في مقابل استمرار ملفات سياسية وجغرافية حساسة، مشيرا إلى أن تشابك المصالح يجعل من الصعب استمرار أزمة دبلوماسية حادة دون انعكاسات مباشرة على اقتصاد البلدين.
وفي ما يتعلق بالقدرات العسكرية، أورد المعهد معطيات تفيد بأن الميزانية الدفاعية لإسبانيا بلغت نحو 34.287 مليار يورو خلال سنة 2025، مقابل 5.645 مليارات يورو للمغرب، مؤكدا أن الفوارق المالية لا تكفي وحدها للحكم على مستوى القوة العسكرية والجاهزية العملياتية.
وأوضح أن إسبانيا تتوفر على أفضلية في مجالات الطيران الحربي والقوات البحرية والصناعات الدفاعية، فضلا عن علاقاتها العسكرية مع حلفائها، بينما يواصل المغرب الاستثمار في تحديث معداته العسكرية وتطوير قدراته التكنولوجية.
وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى برنامج تحديث الأسطول الجوي المغربي، الذي يشمل اقتناء 25 مقاتلة أمريكية جديدة من طراز «إف-16 بلوك 72»، إلى جانب تحديث 23 طائرة أخرى، بموجب موافقة أمريكية صدرت سنة 2019.
كما تطرق إلى إعلان شركة «لوكهيد مارتن»، في السادس من أكتوبر الجاري، عن تنفيذ أول رحلة جوية لإحدى المقاتلات الجديدة المخصصة للمغرب.
وأكد المعهد أن برامج التسلح المغربية لا يمكن تفسيرها بالاعتماد على العلاقات مع إسبانيا وحدها، بالنظر إلى طبيعة التحديات الأمنية في شمال إفريقيا، خصوصا في ظل استمرار التوتر مع الجزائر.
واستحضر في هذا الصدد أرقاما منسوبة إلى معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، تشير إلى وصول الإنفاق العسكري الجزائري إلى 25.4 مليار دولار سنة 2025، مقابل 6.3 مليارات دولار للمغرب، معتبرا أن هذه المعطيات تبرز تأثير التوازنات الإقليمية في تحديد الأولويات الدفاعية للمملكة.
وعلى الصعيد الاقتصادي، سجل التقرير أن المبادلات التجارية والارتباط المتزايد بين سلاسل الإنتاج المغربية والإسبانية يشكلان عامل استقرار في العلاقات الثنائية، خاصة في قطاع صناعة السيارات الذي يشهد حضورا مهما للشركات الإسبانية داخل المنظومة الصناعية المغربية.
وحذر من أن أي تدهور طويل الأمد في العلاقات بين البلدين قد يؤثر على حركة التجارة والإنتاج الصناعي وفرص الشغل، مرجحا أن تكون التداعيات النسبية أكبر على الاقتصاد المغربي، مع تعرض عدد من القطاعات الإسبانية لخسائر مرتبطة بتعطل سلاسل التوريد.
وبخصوص الملفات الخلافية، اعتبر المعهد أن سبتة ومليلية تظلان من أبرز القضايا التي تؤثر على العلاقات السياسية بين الرباط ومدريد، إلى جانب التحديات المرتبطة بالهجرة والتنسيق الأمني والمراقبة البحرية.
كما سلط الضوء على الأهمية الاستراتيجية لمضيق جبل طارق، باعتباره ممرا رئيسيا للتجارة الدولية وحركة السفن وتدفقات الطاقة، وهو ما يرفع من حساسية أي توتر قد تشهده المنطقة.
وامتد تحليل التقرير إلى الخلافات المتعلقة بتحديد المجالات البحرية في المحيط الأطلسي، خاصة بالقرب من جزر الكناري والسواحل الجنوبية للمغرب، حيث تبرز قضية جبل «تروبيك» البحري بالنظر إلى موارده المحتملة وأهميته الاقتصادية والعلمية.
وأوضح المعهد أن الموقع الجغرافي لهذا الجبل البحري لا يمنح تلقائيا لأي من البلدين حقوقا حصرية لاستغلال موارده، مشددا على أهمية الاحتكام إلى القواعد القانونية في معالجة النزاعات المتعلقة بالمجالات البحرية.
وفي تقييمه لاحتمالات التصعيد، نبه التقرير إلى أن سوء تقدير التحركات العسكرية أو تضخيم الحوادث المحدودة قد يؤدي إلى توترات دبلوماسية وأمنية، دون أن يعني ذلك بالضرورة اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة.
وخلص المعهد إلى أن تطوير المغرب لقدراته الدفاعية يرتبط بأهداف الردع وتعزيز موقعه الاستراتيجي، فيما تظل العلاقات الاقتصادية والتنسيق الأمني والقنوات الدبلوماسية عوامل أساسية في احتواء الخلافات مع إسبانيا، رغم استمرار التنافس بين البلدين في عدد من الملفات الإقليمية.



