لم يكن إعلان البرلماني محمد الزموري استقالته من حزب الاتحاد الدستوري حدثاً تنظيمياً عادياً، بل شكل محطة سياسية أعادت تسليط الضوء على مساره الذي امتد لأكثر من أربعة عقود داخل الحزب، وفتحت في الآن ذاته باب التساؤل حول حصيلته البرلمانية، في وقت يستعد فيه لخوض غمار الانتخابات التشريعية المقبلة من بوابة سياسية جديدة.
الزموري، الذي شغل منصب المنسق الجهوي لحزب الاتحاد الدستوري بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، أنهى ارتباطه بحزب “الحصان” على وقع خلافات تنظيمية مع الأمين العام محمد جودار، وهي الخلافات التي سبق أن عبر عنها علناً، منتقداً طريقة تدبير القيادة الحالية لعدد من الملفات التنظيمية والسياسية.
وبحسب المعطيات المتوفرة، فإن استقالة الزموري لا تبدو معزولة عن حراك سياسي أوسع داخل الحزب، إذ يرتقب أن يلتحق، رفقة عدد من القيادات والمنتخبين الذين غادروا الاتحاد الدستوري، بحزب الحركة الشعبية، في إطار إعادة ترتيب الأوراق استعداداً للاستحقاقات التشريعية المقبلة.
لكن، بعيداً عن تغيير اللون الحزبي، يبرز سؤال آخر يفرض نفسه بقوة: ماذا قدم محمد الزموري لساكنة طنجة تحت قبة البرلمان خلال السنوات الماضية؟ وهل تعكس حصيلته البرلمانية تجربة سياسية تمتد لما يقارب ثلاثة عقود داخل المؤسسة التشريعية؟
تحقيق “اليوم24”.. أرقام تعيد النقاش إلى الواجهة
الإجابة عن هذا السؤال أعادت إلى الواجهة معطيات كشف عنها تحقيق أنجزه موقع “اليوم24”، استند إلى البيانات الرسمية الصادرة عن مجلس النواب، ورصد أداء البرلمانيين خلال الولاية التشريعية الممتدة بين 2021 و2026.
وخلص التحقيق إلى أن محمد الزموري يوجد ضمن لائحة تضم 41 نائباً برلمانياً لم يسجل لهم أي تدخل خلال جلسات المساءلة الأسبوعية للحكومة، التي بلغ عددها 123 جلسة طوال الولاية الحالية.
وبحسب المعطيات نفسها، لم يتقدم الزموري بأي سؤال شفهي داخل هذه الجلسات، ولم يسجل له أي تعقيب على أجوبة أعضاء الحكومة، كما لم يلجأ إلى إثارة أي نقطة نظام، وهو ما يضعه ضمن النواب الذين غابوا عن واحدة من أهم آليات الرقابة البرلمانية التي ينص عليها الدستور.
وتعد جلسات المساءلة الأسبوعية للحكومة الواجهة الأساسية لممارسة البرلمان لدوره الرقابي، إذ تشكل مناسبة لطرح الإشكالات التي تواجه المواطنين، ومساءلة الوزراء بشأن السياسات العمومية، ونقل قضايا الدوائر الانتخابية إلى الرأي العام.
ثلاثة عقود تحت القبة… والحصيلة محل تساؤل
إثارة هذه الأرقام أعادت طرح نقاش أوسع حول مردودية تجربة برلمانية طويلة، خصوصاً أن الزموري يعد من الوجوه السياسية التي راكمت سنوات عديدة داخل مجلس النواب، وهو ما يرفع سقف انتظارات الناخبين بشأن حجم المبادرات التشريعية والرقابية التي يفترض أن ترافق هذا المسار.
ويرى متابعون للشأن السياسي المحلي أن طول التجربة البرلمانية لا يقاس بعدد الولايات الانتخابية فقط، وإنما بمدى تأثير النائب في النقاش التشريعي، وقدرته على الدفاع عن القضايا المحلية، واستعمال الآليات التي يتيحها الدستور لمراقبة العمل الحكومي.
وفي هذا السياق، يشير التحقيق إلى أن اسم محمد الزموري لم يرتبط خلال السنوات الأخيرة بمبادرات تشريعية بارزة تخص ملفات تعتبر من أولويات مدينة طنجة، من قبيل التعمير، وحماية المستهلك، والبيئة، وحماية الغابات، وهي ملفات ظلت حاضرة بقوة في النقاش العمومي بالجهة.
كما أورد التحقيق أن هيئات مهنية كانت توجه للزموري دعوات للمشاركة في لقاءات مخصصة لمناقشة مشروع قانون المالية، غير أنه تغيب عنها، في وقت شهدت فيه تلك اللقاءات مشاركة برلمانيين آخرين من مختلف التوجهات السياسية.
تغيير الحزب… هل يكفي لتغيير الصورة؟
إعلان الزموري مغادرة حزب الاتحاد الدستوري، والالتحاق المرتقب بحزب الحركة الشعبية، يندرج ضمن دينامية تعرفها الخريطة السياسية مع اقتراب الانتخابات، غير أن هذا التحول الحزبي يطرح، وفق متابعين، سؤالاً حول ما إذا كان تغيير الانتماء السياسي وحده كافياً لتجاوز النقاش الدائر بشأن الحصيلة البرلمانية.
ففي الوقت الذي تتصاعد فيه الدعوات إلى تجديد النخب السياسية، وإفساح المجال أمام كفاءات جديدة، يرى فاعلون أن معيار الاختيار ينبغي أن يرتبط بالأداء والحضور داخل المؤسسات، أكثر من ارتباطه بالانتقال من حزب إلى آخر.
وفي المقابل، يعتبر آخرون أن الحكم النهائي على أي تجربة سياسية يظل بيد الناخب، الذي يمتلك وحده سلطة تقييم حصيلة ممثليه عبر صناديق الاقتراع.
وبين معطيات رسمية وثقها تحقيق “اليوم24”، وتحولات سياسية يعيشها أحد أقدم برلمانيي جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ينجح محمد الزموري في إقناع الناخبين بمنحه ولاية جديدة، أم أن النقاش حول حصيلته البرلمانية سيشكل أحد أبرز عناوين الاستحقاقات المقبلة؟


