حسمت قيادة الشرطة الإسبانية جانباً من الجدل الذي انفجر في مدريد عقب تداول معطيات حول تقرير أمني أُحيل على المحكمة الوطنية بشأن أحداث سبتة يومي 30 و31 يوليوز، مؤكدة أن الوثيقة لا تتضمن اتهاماً للأجهزة الأمنية المغربية بالوقوف وراء التخطيط للتدفقات الجماعية أو تنفيذها.
وجاء التوضيح على لسان المدير العام للشرطة، فرانسيسكو باردو، بعد اجتماع خصص لفحص مضمون التقرير، وذلك إثر طلب عاجل من وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا للتحقق من الأخبار التي تحدثت عن استنتاجات منسوبة إلى المركز الوطني للهجرة والحدود «CENIF».
وتعود القضية إلى تقرير أُنجز في إطار تحقيق تشرف عليه المحكمة الوطنية، وهو ما يفسر، بحسب المسؤولين الإسبان، عدم اطلاع قيادة الشرطة ووزارة الداخلية على مضمونه أثناء إعداده.
وكانت القاضية ماريا تاردون قد طلبت من المحققين عدم تقاسم تفاصيل الوثيقة مع رؤسائهم، قبل أن تسمح لهم لاحقاً بعرضها على المسؤولين المختصين.
لكن ما أثار الجدل لم يكن التقرير وحده، وإنما الطريقة التي جرى بها تفسير ما ورد فيه.
فبعض وسائل الإعلام الإسبانية قدمت الوثيقة باعتبارها تتضمن مؤشرات على أن التدفقات نحو سبتة لم تكن مجرد تحرك هجرة عفوي، بل ربما كانت جزءاً من تحرك منظم استهدف الضغط على الحدود الإسبانية.
وتشير معطيات صحفية، في المقابل، إلى أن التقرير اعتمد بشكل كبير على تحليل الصور ومقاطع الفيديو المتداولة علناً، وليس على معاينات مباشرة لعناصر تابعة لـ«CENIF» داخل المغرب، باعتبار أن المركز لا يتوفر على وحدات ميدانية منتشرة هناك.
ومن بين المواد التي خضعت للتحليل صور يظهر فيها أشخاص يُعتقد أنهم عناصر مغربية، بعضهم يرتدي الزي الرسمي وآخرون بملابس مدنية. غير أن هذا المعطى، وفق توضيح مدير الشرطة، لا يرقى إلى استنتاج رسمي يحمل المغرب مسؤولية التخطيط أو التنفيذ.
كما دخل إنذار أمني صدر في 29 يوليوز على خط النقاش، بعدما ربطت بعض القراءات بينه وبين ما وقع في اليوم التالي. إلا أن قيادة الشرطة أكدت أن الإنذار كان من النوع الذي يصدر بشأن مخاطر هجرة متكررة، ولم يتضمن توقعاً محدداً بحدوث دخول جماعي إلى سبتة.
ويضع هذا المعطى الروايتين المتداولتين أمام اختبار مختلف: فمن جهة، توجد وثيقة قضائية تضمنت تحليلات أمنية وصوراً أثارت تساؤلات حول ما جرى على الجانب المغربي من الحدود؛ ومن جهة أخرى، تؤكد أعلى قيادة شرطية إسبانية أن هذه المعطيات لم تتحول داخل التقرير إلى اتهام رسمي للمغرب.
ويتطابق الموقف الأخير مع تصريحات سابقة لرئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، الذي سبق أن أكد عدم وجود معلومات استخباراتية تثبت أن المغرب نظم تلك التدفقات، مشدداً في الوقت نفسه على أهمية التعاون المغربي في معالجة ملف الهجرة وإعادة الوافدين إلى سبتة.
ومع ذلك، لا تزال القضية مفتوحة من الناحية القضائية، لأن الوثيقة موجودة لدى المحكمة الوطنية، بينما يبقى للقضاء والنيابة العامة تحديد وزن المعطيات التي تتضمنها وما إذا كانت تستدعي مواصلة التحقيق.
وبذلك، انتقل الجدل من سؤال مسؤولية المغرب عن أحداث سبتة إلى معركة أخرى حول مضمون التقرير نفسه وحدود ما يمكن استخلاصه منه، في وقت تتمسك فيه الشرطة والحكومة الإسبانيتان بعدم وجود دليل رسمي يثبت أن الرباط خططت لما حدث.



