دخل مشروع القانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة مرحلة حاسمة بعد مصادقة لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب عليه بالأغلبية، غير أن هذه الخطوة لم تُنهِ الجدل الدائر حوله، بل أعادت إشعال التوتر بين وزارة العدل ومكونات واسعة من أسرة الدفاع، وسط تحذيرات من تصعيد غير مسبوق قد يصل إلى استقالات جماعية للنقباء.
وصوت 16 نائبا لصالح المشروع مقابل معارضة 7 نواب، بعد مناقشات مطولة شهدت تقديم مئات التعديلات التي عكست حجم الخلاف حول عدد من المقتضيات المرتبطة بشروط الولوج إلى المهنة، واستقلالية المحامي، وحصانة الدفاع، إضافة إلى إشكالية الجمع بين التدريس الجامعي وممارسة المحاماة.
ورغم تأكيد وزارة العدل أن النص يندرج ضمن ورش إصلاح منظومة العدالة وتحديث المهن القانونية، فإن هيئات المحامين تعتبر أن الصيغة التي خرج بها المشروع لا تستجيب للمطالب الأساسية التي رفعتها خلال مراحل التشاور، وترى أنها تتضمن مقتضيات من شأنها المساس باستقلالية المهنة وتقليص هامش حماية المحامي أثناء ممارسته لمهامه.
تهديد بالاستقالة الجماعية
التصعيد بلغ مستوى غير مسبوق بعدما أعلنت جمعية هيئات المحامين بالمغرب، عقب اجتماع استثنائي لمكتبها، توجه النقباء السبعة عشر نحو عقد جموع عامة استثنائية قد تنتهي بتقديم استقالات جماعية احتجاجا على ما اعتبرته تراجعا عن التوافقات السابقة المتعلقة بمشروع القانون.
وترى الجمعية أن مسار إعداد النص لم يحترم عددا من الالتزامات التي سبق الاتفاق بشأنها، كما انتقدت اعتماد تعديلات وصفتها بغير المتوافق عليها، معتبرة أن المشروع في صيغته الحالية لا يوفر الضمانات الكفيلة بحماية استقلالية الدفاع.
وفي هذا الإطار، أكد حاتم بكار، عضو مكتب الجمعية، أن خيار الاستقالة مطروح بشكل جدي، مشددا على أن الأمر يتعلق بموقف مهني يروم الدفاع عن ثوابت المحاماة وليس مجرد خطوة رمزية أو ظرفية.
شروط الولوج تثير الانقسام
ومن بين أكثر النقاط إثارة للنقاش داخل المشروع، اعتماد شهادة الماستر كشرط لاجتياز مباراة المحاماة، إلى جانب رفع السن الأقصى للترشح إلى 45 سنة.
ويعتبر المدافعون عن هذه المقتضيات أنها ستسهم في رفع مستوى التأهيل العلمي والمهني للمحامين الجدد، بينما يرى معارضوها أنها قد تؤدي إلى تضييق فرص الولوج أمام فئات واسعة من خريجي كليات الحقوق، بالنظر إلى محدودية المقاعد المتاحة في مسالك الماستر بالجامعات المغربية.
كما أثار تحديد السن الأقصى جدلا آخر حول معايير الولوج إلى المهنة ومدى انسجامها مع باقي المسارات المهنية والقانونية.
أساتذة القانون يدخلون دائرة الاحتجاج
ولم يقتصر الجدل على المحامين، إذ امتد إلى الوسط الجامعي بعد تضمين المشروع مقتضيات تمنع الجمع بين التدريس الجامعي وممارسة المحاماة.
هذا التوجه دفع عددا من أساتذة القانون إلى تنظيم وقفات احتجاجية للمطالبة بالحفاظ على حقهم في ممارسة المهنة، معتبرين أن الأستاذ الباحث يشكل قيمة مضافة للمحاماة بفضل خبرته العلمية ودوره في تكوين الأجيال الجديدة من رجال القانون.
في المقابل، يتمسك عدد من المحامين بضرورة الفصل بين الوظيفتين، معتبرين أن المحاماة مهنة حرة تتطلب استقلالية كاملة وتفرغا لا ينسجم مع الوضعية القانونية للموظف العمومي.
الوزارة تتمسك بالإصلاح
أمام هذا الرفض المتواصل، تؤكد وزارة العدل أن المشروع يروم تحديث الإطار القانوني للمحاماة وتطوير آليات التكوين والممارسة، مع فتح المجال أمام صيغ جديدة للاشتغال المهني، سواء بشكل فردي أو في إطار شركات وشراكات مهنية.
وترى الوزارة أن النص يسعى إلى تحقيق التوازن بين استقلالية المحامي ومتطلبات الحكامة والشفافية، معتبرة أن النقاش البرلماني يظل الآلية الدستورية المناسبة لتجويد المشروع وحسم الخلافات بشأنه.
غير أن المصادقة داخل اللجنة لم تنهِ الجدل، بل كشفت اتساع دائرة المعترضين على المشروع، من هيئات المحامين والنقباء إلى أساتذة القانون وعدد من الفاعلين الحقوقيين والسياسيين، ما يجعل مشروع قانون المحاماة أمام اختبار صعب قد يحدد مستقبل العلاقة بين الحكومة ومهنة تعتبر إحدى الركائز الأساسية لمنظومة العدال.



