لا تبدو معركة حزب التقدم والاشتراكية في طنجة، خلال الأيام الأخيرة من الحملة التشريعية، معركة دفاع عن موقع انتخابي قائم بقدر ما هي محاولة للخروج من هامش سياسي ظل يلازم الحزب محلياً منذ الاستحقاق السابق.
فـ«الكتاب» يدخل اقتراع 23 شتنبر وهو لا يملك مقعداً برلمانياً عن دائرة طنجة–أصيلة يدافع عنه، ولا حضورا جماعياً يوازي ما راكمته أحزاب أخرى داخل المدينة، وهو ما يجعل حملته الحالية مطالبة بإنتاج فارق انتخابي حقيقي إذا أراد الانتقال من مجرد المشاركة إلى المنافسة على أحد المقاعد الخمسة.
هذه الوضعية تفسر حجم الرهان الموضوع على لائحة دحمان المزرياحي. فالحزب لا يحتاج فقط إلى حملة نشيطة، بل إلى إقناع الناخب بأن موازين القوى التي أفرزتها انتخابات 2021 قابلة للتغيير، رغم أن الأرقام السابقة لا تمنحه نقطة انطلاق مريحة.
وفي الانتخابات التشريعية الماضية، بقي التقدم والاشتراكية خارج لائحة الأحزاب الفائزة في طنجة–أصيلة، بينما توزعت المقاعد بين الاتحاد الدستوري والاستقلال والأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاتحاد الاشتراكي. أما داخل جماعة طنجة، فلم يتجاوز حضور الحزب ثلاثة مقاعد من أصل 81، بما يعكس محدودية وزنه المؤسساتي مقارنة بعدد من منافسيه.
غير أن الصعوبة التي تواجه «الكتاب» اليوم لا ترتبط فقط بإرث 2021، بل أيضاً بمسار حملته نفسها.
فمنذ انطلاقتها، لم يستطع الحزب أن يجعل برنامجه السياسي العنوان الأكثر حضوراً في النقاش المحلي. وبدلاً من أن ترتبط صورته أساساً بمقترحاته في التشغيل أو الاستثمار أو الخدمات الاجتماعية أو تدبير المدينة، انجرت الحملة مبكراً إلى جدل أثارته تصريحات صدرت خلال أحد أنشطتها ضد حزب العدالة والتنمية.
وسرعان ما طغى تداول تلك التصريحات على جزء من الرسالة التي أراد الحزب إيصالها، فتحولت البداية إلى نقاش حول الخطاب المستعمل أكثر منها إلى نقاش حول ما يحمله الحزب للناخبين.
وبالنسبة إلى لائحة تنطلق أصلاً من رصيد انتخابي محدود، فإن خسارة جزء من المساحة الإعلامية لصالح سجالات جانبية يرفع من كلفة المهمة؛ لأن الحزب يحتاج في هذه المرحلة إلى كل فرصة متاحة لتوسيع حضوره وتعريف الناخبين بمشروعه، لا إلى استنزاف حملته في معارك تواصلية موازية.
وحاول الحزب خلال الأيام السابقة تصحيح الإيقاع من خلال جولات ميدانية ولقاءات مباشرة وحضور قيادات وطنية، في محاولة لمنح اللائحة زخماً سياسياً وتنظيمياً أكبر.
لكن المعضلة تبقى في الفارق بين الحضور في الشارع والقدرة على تحويل ذلك الحضور إلى وزن انتخابي فعلي.
فاللوائح المنافسة لا تدخل السباق من النقطة نفسها؛ عدد منها يستند إلى مقاعد برلمانية سابقة، وتمثيل أوسع داخل المؤسسات المنتخبة، وشبكات محلية راكمت حضورها خلال السنوات الخمس الماضية، فيما يطلب من التقدم والاشتراكية أن يحقق خلال هذه الحملة ما لم يحققه في الاستحقاق السابق.
وتزيد النقاشات التي سبقت تشكيل اللائحة من ثقل هذا السياق، بعدما تحدثت تغطيات محلية عن تباينات داخلية وتساؤلات حول الجاهزية التنافسية لبعض الأسماء. وهي معطيات تبقى منسوبة إلى مصادر صحفية وليست مؤشرات رسمية على اتجاه الناخبين، لكنها تكشف أن الحزب لم يدخل السباق في مناخ تنظيمي خال من الجدل.
لهذا، فإن السؤال السياسي الذي تطرحه حملة «الكتاب» بطنجة لا يتعلق بعدد الجولات التي نظمها أو حجم حضوره على مواقع التواصل، بل بمدى نجاحه في تجاوز ثلاثة أثقال دفعة واحدة: ضعف الرصيد السابق، محدودية التمثيل المؤسساتي، وتعثر البداية التواصلية للحملة.
وإذا كانت الأيام الأخيرة تمنح الحزب فرصة لتعديل صورته ورفع وتيرة حضوره، فإنها في المقابل لا تلغي حقيقة أن التقدم والاشتراكية يخوض هذه الانتخابات من موقع الباحث عن اختراق جديد، لا من موقع حزب يمتلك رصيداً مضموناً داخل الدائرة.
أما ما إذا كان هذا المجهود سيكفي لإعادة رسم موقع «الكتاب» في طنجة–أصيلة، فسيظل رهين التصويت يوم 23 شتنبر. المؤكد فقط أن الحزب يدخل الحسم الانتخابي أمام مهمة أصعب من مجرد خوض حملة: عليه أن يقنع الناخب بأن حضوره هذه المرة قادر على إنتاج نتيجة تختلف عن نتائج الأمس.



