على بعد أيام قليلة من موعد الاقتراع، تدخل دائرة المضيق–الفنيدق واحدة من أكثر مراحل السباق حساسية، بعدما بدأت موازين القوى الانتخابية تتحرك خارج الاصطفافات التي طبعت بداية الحملة، وبرزت أسماء تحاول انتزاع موقع لها داخل خريطة ظلت لسنوات محكومة بثقل الوجوه المعروفة وشبكات النفوذ المحلي.
وفي هذا السياق، يبرز عبد الحنين الغرافي، وكيل لائحة حزب الاستقلال، كأحد الوجوه الجديدة التي نجحت في فرض حضورها داخل المعادلة الانتخابية، مستفيداً من حملة ميدانية مكثفة وتعبئة تنظيمية أعادت “الميزان” إلى قلب التنافس على الدائرة.
ترشيح الغرافي يحمل في حد ذاته دلالة سياسية؛ فحزب الاستقلال لم يدفع هذه المرة بوجه مستهلك داخل سوق الترشيحات المحلية، بل اختار اسماً يخوض أول تجربة انتخابية، في محاولة لاقتحام خزان انتخابي ظل موزعاً بين قوى وشخصيات راكمت حضوراً سابقاً داخل المنطقة.
ومن هنا، فإن معركة الغرافي لا تبدو مجرد سباق فردي نحو مقعد برلماني، بقدر ما تمثل اختباراً لقدرة حزب الاستقلال على إعادة بناء نفوذه الانتخابي داخل الدائرة، واختراق توازنات رسختها الاستحقاقات السابقة.
ومع تقدم الحملة، انتقل مرشح “الميزان” من مرحلة التعريف بالاسم إلى مرحلة تثبيت الموقع، معتمداً على تحرك مباشر وسط الساكنة، ومقاربة تواصلية وضعت ملفات التشغيل والصحة والتعليم والتنمية في صلب خطابه الانتخابي. وهو ما سمح له بتوسيع دائرة حضوره داخل فئات تبحث عن تجديد النخب أكثر من إعادة إنتاج الوجوه نفسها.
في المقابل، يضع هذا الصعود خصومه أمام معركة دفاع عن الرأسمال الانتخابي الذي راكموه خلال السنوات الماضية. فكل تقدم لوجه جديد داخل الدائرة يعني عملياً اقتطاع مساحة من نفوذ مرشحين يمتلكون قواعد انتخابية أكثر رسوخاً، ويفتح الباب أمام إعادة توزيع جزء من الكتلة الناخبة التي لا تبدو محسومة بشكل نهائي.
ولهذا، فإن الرهان الحقيقي في المضيق–الفنيدق لم يعد فقط حول من يقود الحملة الأكثر حضوراً، بل حول من يستطيع تفكيك الاصطفافات التقليدية وجذب الناخب غير المرتبط مسبقاً بشبكات حزبية أو انتخابية ثابتة.
كما أن التعبئة التي ظهرت داخل مكونات حزب الاستقلال حول الغرافي تمنح ترشيحه بعداً تنظيمياً مهماً، لأن المعارك الانتخابية في مراحلها الأخيرة لا تحسمها صورة المرشح وحدها، بل قدرة الحزب على تعبئة قواعده، وضبط شبكاته، وتحويل الحضور الميداني إلى أصوات فعلية يوم الاقتراع. وقد سجلت الحملة بالفعل تحركات جماعية لمناضلي الحزب دعماً للائحة.
بهذا المعنى، لم يعد الغرافي مجرد اسم جديد أضيف إلى لائحة المتنافسين، بل أصبح جزءاً من عملية إعادة خلط للأوراق داخل الدائرة، في مواجهة مرشحين يدخل بعضهم السباق مستنداً إلى تجربة انتخابية سابقة ورصيد متراكم.
ومع اقتراب يوم 23 شتنبر، يبقى السؤال المركزي مرتبطاً بقدرة كل طرف على تحويل رأسماله السياسي والتنظيمي إلى كتلة تصويتية فعلية. أما الغرافي، فقد نجح حتى الآن في انتزاع موقع داخل المشهد وفرض ترشيحه كمعطى ينبغي أخذه بعين الاعتبار عند قراءة التحولات الجارية في دائرة المضيق–الفنيدق، بينما يظل الحكم النهائي رهيناً بصناديق الاقتراع وحدها.



